ضروريّا ولا بأن يقدر على نصب دلالة ، فيجب أن لا يسمّى مكلّفا لغيره. وإذا لم يثبت أحدنا مكلّفا لم يثبت ما هو بصورة التكليف في الشاهد. فكيف يجرى هذا الوصف على الغائب مع أنّ الأسامي حكمها أن تؤخذ من الشاهد فتجرى على الغائب؟ قيل له : إذا كنّا نعلم أنّ هذا المعنى إنّما يصحّ في الله تعالى ولا يصحّ في غيره ، جاز منّا أن نصفه بما ينبئ عن هذه الفائدة وإن لم نجد له نظيرا في الشاهد ، إذ ليس كل ما يجرى عليه تعالى يجب أن يكون حكمه هذا الحكم بل هو موقوف على الدلالة. وبعد فقد يصحّ في الشاهد ما يتصوّر بهذه الصورة وإن لم يكن تكليفا في الحقيقة ، نحو أمر الواحد منّا ولده وغلامه وأجيره بفعل من الأفعال فينبّه المأمور على ما يريده منه فيسمّى ذلك تكليفا. فكذلك إذا دلّ الله جلّ وعزّ على ما يريده من المكلّفين جاز أن يوصف بهذا الوصف ، لأنّ في الشاهد إنّما أجري هذا الاسم على من اعتقد لزوم طاعته ، وهذه صفته تعالى. وليس يجب فيما يجرى على الغائب إلّا أن يكون له شبه ما بما يجرى على الشاهد. فأمّا المساواة من كل وجه فلا. وعلى هذا صحّ أن يوصف تعالى بأنّه قديم فيفاد به أن لا أوّل لوجوده ، وإن كان أهل اللغة إنّما يتعارفون هذه اللفظة فيما تقادم وجوده على طريقة سبق بها غيره (ق ، ت ٢ ، ١٩٠ ، ٢٠)
ـ اعلم أنّ التكليف لا بدّ فيه من مشقّة. وظاهر اللفظ ينبئ عن ذلك على ما قاله أبو هاشم من اعتبار الكلفة. وإنّما وجب اعتبار المشقّة لأنّه لولاها لم يحصل التعريض للثواب ، فإنّه لا يستحقّ إلّا على طريق الإعظام والمدح وهما يتبعان فعل ما يشقّ على الواحد منّا. ولو كلّفنا الله تعالى ما لا يشقّ علينا لم نستحقّ ثوابا. فلهذا وجب اعتبار المشقّة في سائر ما يدخل تحت التكليف ، وإن كانت المشقّة تتفاوت وتختلف حالها ، فربّما تظهر وربّما لا تظهر في الأوّل حتى يجتمع الشيء منه إلى غيره (ق ، ت ٢ ، ١٩١ ، ١٣)
ـ اعلم أنّ التكليف إذا لم يتمّ إلّا بأمور من جهة الله تعالى نحو الإعلام على اختلاف أحواله ونحو الإرادة والكراهة ونحو جعله الفعل شاقّا على المكلّف إلى ما أشبه ذلك ، فمعلوم أنّ بعض هذه الأشياء لا بدّ من تقدّمه والبعض الآخر إنّما يجب مقارنته فقط ولا يجب تقدّمه (ق ، ت ٢ ، ١٩٩ ، ٢)
ـ ثمّ ذكر (عبد الجبّار) رحمهالله في آخر هذه الفصول أنّ التكليف إذا لم يوجد له مثال في الشاهد على التحقيق فيجب أن تعتبر حاله بنفسه من دون مراعاة المثال. وذلك لأنّ صورة التكليف على ما ذكرناه أن يمكّن المكلّف ويزيح علله ويعرّضه للثواب الذي يعلم توفّره عليه إذا أطاع على الشروط التي نذكرها في هذا الباب. والمعلوم أن مثل ذلك لا يحصل في الشاهد وإنّما يحصل ما يقاربه من الاستدعاء إلى الدين وتقديم الطعام إلى الجائع إلى ما أشبه ذلك. وما خرج عن هذا الباب فهو أمور يفعلها الواحد منّا لأغراض مخصوصة (ق ، ت ٢ ، ٢٣٠ ، ٢١)
ـ اعلم أنّ المكلّف لا بدّ من أن يختصّ بشرائط وأوصاف لو لم يكن عليها لم يحسن تكليفه. فأوّل ذلك أن يكون قادرا على ما كلّف فعله أو تركه. وليس يخلو التكليف من أحد هذين الوجهين إمّا أن يكلّف الفعل أو يكلّف أن لا يفعل. وعلى كلي الوجهين فلا بدّ من كونه
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
