القطع الذي هو الفعل. وقوله تعالى في هذه الآية : (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان : ٢) يدلّ على أنّ هذا هو المراد بالخلق ، على ما ذكرناه. وبعد ، فإنّ التقدير إنّما يصحّ في الأجسام ؛ لأنّها التي يظهر فيها اختلاف الأشكال ولذلك كثر ذكر الخلق في الأديم دون غيره. فإذا صحّ ذلك وجب حمل الآية على أنّه خلق الأجسام وقدّرها على ما أراده ، ولهذا ذكر هذا عقيب قوله : (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف : ١٥٨) فأراد أن يدلّ على أنّه المختصّ بالأمور التي توجب العبادة ، ليبيّن أنّه لا إله سواه ، ولذلك قال بعده : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (الفرقان : ٣) وإنّما يتعلّق الأول به متى حمل على ما ذكرناه ولذلك قال (لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (الفرقان : ٣) منبّها بذلك على أن ما ادّعوه إلها لا يصحّ منه الخلق ، وكل ذلك واضح (ق ، م ٢ ، ٥٢٨ ، ٧)
ـ " مشايخنا" وإن اتّفقوا في أنّ المخلوق هو المقدّر فقد اختلفوا في أنّ هذا التقدير هل هو معنى أم لا. فنفى" أبو علي" أن يكون معنى وأوجب أن يكون المراد به إيقاع الفعل على وجه مخصوص وهو الصحيح. وقال" أبو هاشم" : بل لا بدّ من معنى يشتقّ منه قولنا" مخلوق". ثم جعل ذلك المعنى إرادة ، ووصف أفعال الله تعالى من جهة اللغة بأنّها مخلوقة ما خلا الإرادة والكراهة ، ولكنّ السمع أوجب أن يوصف الكلّ بذلك فوصفها به. وقال الشيخ" أبو عبد الله" : بل التقدير الذي هو الخلق يرجع به إلى فكر ولو لا ورود السمع لكنا لا نجري على أفعال الله لفظ الخلق (ق ، ت ١ ، ٣٤٦ ، ١٥)
ـ إن قال : فما الطريق الذي به تعرفون في فعل الساهي إنّه فعله؟ قلنا : إنّا نعرفه فعلا له بتقدير الدواعي ، فنفارق فعل غيرنا لأنّك تقول : هذا الساهي قد وقع هذا الفعل منه على حدّ لو كان عالما كان لا يقع إلّا مطابقة لداعيه ، فيقوم التقدير في ذلك مقام التحقيق. ألا ترى أنّ فعل غيره لمّا لم يكن حادثا من جهته لم يصحّ أن يقدر هذا الوجه فيه ، فعرفنا أنّ فعله يختصّ به على ما نقوله وغير ممتنع أن يقوم التقدير مقام التحقيق في مواضع. فعلى هذا نعرف أنّ زيدا قادر إذا عرفنا أنّه لو حاول الفعل لوقع منه ، كما نعرفه قادرا لو وقع منه الفعل. وكذلك في كونه عالما (ق ، ت ١ ، ٣٦٠ ، ١١)
ـ إنّ شيخنا أبا هاشم رحمهالله جوّز أن يخلق الإنسان فعل غيره ، ويوصف بأنّه خالق لفعل غيره ، على ما ذكرناه في الأديم ؛ لأنّه وإن كان من فعل الله سبحانه ؛ فالمقدّر له يوصف بأنّه خالق له. وجوّز أن يوصف زيد وعمرو بأنّهما خلقا الأديم ، إذا قدّراه ، وقال : لا يوصف المعدوم بذلك وإن قدّره المقدّر ، لأنّ التقدير إذا تعلّق بالموجود يسمّى خلقا ، وإذا تعلّق بالمعدوم لا يسمّى بذلك. كما أنّ الإرادة متى تعلّقت بالمعدوم يصحّ أن يسمّى عدما ، ومتى تعلّقت بالموجود لم يسمّ بذلك (ق ، غ ٧ ، ٢٢٠ ، ٧)
ـ إن قيل : أليس الله جلّ وعزّ قد قال : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان : ٢) و (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) (عبس : ١٧ ـ ١٨ ـ ١٩) ففرّق بين الخلق والتقدير ، فدلّ على أنّ الخلق هو الإنشاء والإبداع ، والتقدير ، وهو الانتهاء إلى المقدار الكافي؟. قيل له : لا يمتنع أن يكون الخلق والتقدير واحدا ، وإن ذكرهما كما قال سبحانه
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
