وليس الأمر كما قدّر ، لأنّه إذا عرف طريق المعرفة وهو النظر المخصوص الذي من بيانه أن يولّدها ، صحّ منه إيجادها بإيجاده. وإيجادها على هذا الوجه ، هو ترك للجهل ، لأنّ من حقّه أن يضادّها ، وترك الشيء هو ضدّه على بعض الوجوه. فقد ثبت إذن أنّه يصحّ منه أن يترك الجهل بالمعرفة. فإن قيل : فيجب أن يصحّ منه ترك المعرفة بالجهل أيضا ، ليصحّ أن يكلّف المعرفة. قيل له : وذلك أيضا صحيح منه ، لأنّه يصحّ منه أن يبتدئ فعل الاعتقاد والذي هو جهل ، فيكون بفعله تاركا للاعتقاد الذي هو من جنس المعرفة. ولا يقال : إنّه ترك به المعرفة ، لأنّ من حقّها أن تقع متولّدة. والمباشر لا يكون تركا للمتولّد ، من حيث يجب وجوده بوجوب سببه. ومن حق الترك والمتروك أن يصحّ من القادر ، في كل واحد منهما ، أن يبتدئه وأن يبتدئ ضدّه. لكنّا وإن لم نطلق هذا القول ، فمن جهة المعنى لا نمتنع من أن نقول بأنّه قد ترك بها الجهل ما يضادّه من المعرفة (ق ، غ ١٢ ، ٢٨٠ ، ١٤)
ـ بيان حقيقة الترك وما يتّصل بذلك. الذي ذكره شيخنا أبو هاشم رحمهالله : أنّه يجب أن يكون جامعا لشروط أربعة : أن يكون القادر على الترك والمتروك واحدا. والوقت الذي يصحّ وجودهما فيه واحدا. وأن يكون بينهما تضادّ. وأن يحلّا في محلّ القدرة عليهما ، فلا يحصل فيهما التعدّي من محل القدرة إلى غير محلّها ، ولا في أحدهما. ولا يكون هذا حالهما إلّا وهما مباشران ، غير متولّدين (ق ، غ ١٤ ، ١٩٧ ، ١٤)
ـ إنّ الترك على الله تعالى لا يجوز ؛ لاستحالة كونه قادرا بقدرة حالّة في محل ولغير ذلك. ولم يذكر رحمهالله أنّ كون المحل واحدا هو شرط في الترك والمتروك ، من قوله : إنّ هذه الشروط معتبرة في الترك والمتروك من أفعال الجوارح دون أفعال القلوب ، بل أطلقه إطلاقا ، والغالب على طريقة الاصطلاح ، لا على طريقة اللغة (ق ، غ ١٤ ، ١٩٨ ، ٦)
ـ كان شيخنا أبو إسحاق رحمهالله ، يزعم أنّ لفظة الترك في اللغة لا تفيد ما ذكرناه في الاصطلاح ، وإنّما يستعملونها فيمن لا يفعل ما يجوز أن يفعله ، فيقولون فيمن هذا حاله : إنّه تارك لمّا لم يفعل (ق ، غ ١٤ ، ١٩٩ ، ٣)
ـ إنّ في المتكلّمين من قال : إن من لم يفعل القيام وهو واجب عليه ، فلا بدّ من قعود يستحقّ الذمّ به ، وصرف الذمّ الذي يعلمه العقلاء من حال من وجب عليه الشيء فلم يفعله ، إلى ضدّ له قد فعله في جسمه. وفيهم من قال : إنّ الذمّ لا يجب أن ينصرف إلى ذلك ، فعبّر عن ذلك الفعل بأنّه ترك الواجب ليفرّق بينه وبين ما عداه من الأفعال التي لا يتوجّه الذمّ إليه ، إذا هو لم يفعل ما وجب عليه (ق ، غ ١٤ ، ٢٠٢ ، ١٠)
ـ إنّ الترك من المخلوق للفعل فعل ، (برهان ذلك) أنّ ترك المخلوق للفعل لا يكون إلّا بفعل آخر منه ضرورة ، كتارك الحركة لا يكون إلّا بفعل السكون ، وتارك الأكل لا يكون إلّا باستعمال آلات الأكل في مقاربة بعضها بعضا أو في مباعدة بعضها بعضا ، وبتعويض الهواء وغيره من الشيء المأكول ، وكتارك القيام لا يكون إلّا باشتغاله بفعل آخر من قعود أو غيره ، فصحّ أنّ فعل الباري تعالى بخلاف فعل خلقه ، وأنّ تركه للفعل ليس فعلا أصلا (ح ، ف ١ ، ١٤ ، ٩)
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
