يكن عالما من قبل ، بأنّه مصلحة ومع ذلك أمر به ، أو أنّه خفي عنه الآن كونه مصلحة ، فلذلك نهي عنه ؛ وهذا هو معنى البداء ، لأنّه الظهور ، الذي لا يصحّ إلّا على من لا يعلم الشيء ثم يعلمه ، أو يخرج من أن يكون عالما ، بما كان عالما به ، أو من يجوز عليه الظنون وتغيّر الاعتقادات ، فإذا استحال جميع ذلك عليه تعالى فالواجب أن نقضي بأن هذا الفعل لا يقع منه ، مع كونه دالّا على البداء لو وقع ممن حاله ما ذكرنا (ق ، غ ١٦ ، ٦٥ ، ١٦)
ـ إنّ البداء يقتضي تجدّد حال لم تكن ، وذلك يجري مجرى التغيير ، على ما قدّمنا القول فيه ، فأمّا إذا كان الأمر لواحد ، والنهي لآخر فإنّه لا يدلّ على البداء ، وإن قبح إذا كان الفعل واحدا ، لأنّ في هذا الوجه يقبح النهي وجها ، سوى تغيّر حاله وحصول البداء فيه ، وهو علمه بأنّه غير مقدور لهذا الثاني ، فكذلك القول فيه لو أمره بالفعل ثم نهاه عنه ، في حال أخرى ، والنهي يقبح ولا يقع ، لكونه غير مقدور ، لا لتغيّر حال ، إنّما يدلّ النهي بعد الأمر على البداء ، إذا لم يكن هناك وجه يقع لأجله النهي عن نفس ما أمر به إلّا جواز البداء ، ولا يكون كذلك إلّا مع الشرائط التي ذكرناها من قبل ؛ وقدّمنا في باب" الإرادة" بطلان القول بأنّ إرادة الشيء بعد أن لم يكن مريدا له ، أو الأمر بعد أن لم يكن آمرا يدلّ على البداء ، وأبطلنا تعلّق المجبرة في كونه تعالى مريدا ، لم يزل بهذا الجنس من الكلام ؛ وفي الذي أوردناه الآن دلالة على فساد هذا القول (ق ، غ ١٦ ، ٦٨ ، ١٢)
ـ اعلم ... أنّ الذي يدلّ في الحقيقة على البداء هو الكراهة ، بعد الإرادة ، أو الإرادة بعد الكراهة ، وإنّما يذكر الأمر والنهي ، لأنّ بهما تعرفان ، ولو عرفناهما بغيرهما لكانت دلالة البداء قائمة. ولو حصل لفظ الأمر والنهي ، من دون إرادة وكراهة لما دلّا على البداء ، على وجه من الوجوه (ق ، غ ١٦ ، ٦٩ ، ٥)
ـ اعلم أنّ البداء هو الظهور ، يقال : " بدا لنا سور المدينة" ، إذا ظهر. وإنّما يكون الشيء ظاهرا للإنسان إذا تجلّى له ، وصار معه على وجه يعلمه أو يظنّه. فأمّا الأمر والنهي فليسا من البداء بسبيل. لكنّهما قد يدلّان عليه. نحو أن ينهي الآمر المأمور الواحد أن يفعل ما أمره بفعله ، في الوقت الذي أمره بفعله فيه ، على الوجه الذي أمره أن يوقعه عليه (ب ، م ، ٣٩٨ ، ٦)
ـ قال (المختار الثقفي) : إنّ الله تعالى كان قد وعدني ذلك ، لكنّه بدا له. واستدلّ على ذلك بقول الله عزوجل : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ) (الرعد : ٣٩) فهذا كان سبب قول الكيسانية بالبداء (ب ، ف ، ٥٢ ، ٣)
ـ الضرورة علمنا أنّ من عمّر مائة عام وعمّر آخر ثمانين سنة ، فإنّ الذي عمّر ثمانين نقص من عدد عمر الآخر عشرين عاما ، فهذا هو ظاهر الآية ومقتضاها على الحقيقة ، لا ما يظنّه من لا عقل له من أنّ الله تعالى جار تحت أحكام عباده ، إن ضربوا زيدا أماته ، وإن لم يضربوه لم يمته ، ومن أنّ علمه غير محقّق ، فربما أعاش زيدا مائة سنة ، وربما أعاشه أقلّ ، وهذا هو البداء بعينه ، ومعاذ الله تعالى من هذا القول بل الخلق كله مصرف تحت أمر الله عزوجل وعلمه ، فلا يقدر أحد على تعدّي ما علم الله تعالى أنّه يكون ولا يكون البتّة ، إلّا ما سبق في علمه أن يكون (ح ، ف ٣ ، ٨٤ ، ٢٠)
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
