الشيء ولا يفعله مع سلامة الحال : إنّ قد بدا له. والأوّل هو الحقيقة ، والثاني وصف بذلك تشبيها به من حيث يتضمّن تغيّر العزم اختلاف حال العازم في العلم والظنّ. فإذا صحّت هذه الجملة ، فالذي يدلّ على البداء لو وقع من القديم تعالى في باب الأجل هو أن يريد تعالى تبقيته مدّة من الزمان وفعل ما معه يبقى ويحصل مكلّفا وقتا بعد وقت ، ثم يكره تبقيته إلى انقضائه ؛ لأنّ إرادته الثانية أو كراهته تقتضي أنّه قد علم من حاله في فساد التبقية ، أو في أنّه ليس بصلاح ما لم يكن عالما به. ويجري ذلك في باب الدلالة على البداء مجرى أن يأمر بالشيء وينهى عنه على وجه واحد. فهذا لا يصحّ عليه البتّة. فأمّا إرادته تبقية الإنسان مدّة ثم قطعه عن تلك المدّة أو تمكينه لغيره من قتله واخترامه فإنّ ذلك لا يدلّ على البداء ، وإن كنّا نعلم أنّه تعالى هو العالم بجميع ما ينزل بالعبد. ولأنّه لا يجوز أن يكلّفه إلّا الأوقات التي يعلم أنّه يبقى فيها ممكّنا لما دللنا عليه من قبل. ولو أنّه تعالى كتب في اللوح المحفوظ أنّ كل خلق يخلقه فسيعمّره مدّة مخصوصة إن لم يقتطعه بعض القتلة عنها ، وعلم أنّه سيقتطع عن ذلك ، فإنّه في حال القتل يموت ، ولو لم يقتله القاتل لوجب أن تبقى الحالة إلى الثانية ، لم يوجب ذلك فسادا ولا دلّ على البداء ، وإنّما يمنع من جعل الوقت الثاني أجلا لما بيّناه من قبل وإن كان لو سمّي بذلك مجازا من حيث علم أنّ الموت إذا لم يحدث عند القتل فلا بدّ من البقاء إلى الغاية الثانية لم يعترض على الذاهب إليه في هذا الباب (ق ، غ ١١ ، ٢٥ ، ١١)
ـ إنّ البداء ربما أفيد به انكشاف الشيء وظهوره ، وهذا لا يصحّ على القديم تعالى ، لأنّه عالم بذاته ؛ ومن جهة اللغة ربما أفيد به تجدّد علوم ، وظنون ، وهذا من جهة العرف صحيح ، وربما أفيد به ما يدلّ على البداء من الأمر والنهي ، إذا وقعا على وجه مخصوص ، وهذا لا يجوز ، ولا يحسن ، وإن كان يصحّ في القدرة ، وليس أمر لا يحسن في الحكمة لا يصحّ في القدرة ، لأنّ ذلك بمنزلة الظلم الذي يصحّ في قدرة الله تعالى ، وإن كان لا يحسن في حكمته ، ولا يقع ؛ ولم يجب من حيث أحلنا فيه كونه محتاجا ، أو جاهلا ، أن نحيل وجود الظلم ، بل أثبتناه قادرا على ما لو وقع لكان ظلما ، فكذلك نصفه بالقدرة ، على ما لو وقع لدلّ على البداء ، وإن كان لا يقع منه ، ولسنا نعني بقولنا : إنّه يصحّ منه ما لو وقع لدلّ على البداء أنّه يدلّ على جواز البداء عليه ، وإنّما نعني ما من شأنه في الشاهد أن يدلّ على البداء ، نصفه بالقدرة عليه (ق ، غ ١٦ ، ٥٩ ، ١٠)
ـ إنّ من حق العالم ، الغني أن لا يأمر وينهي (وللفعل واحده) ، بل الذي يدعوه إلى أن يأمر به كونه حسنا ومصلحة ، والذي يدعوه إلى أن ينهي عنه علمه بأنّه قبيح ومفسدة ، ويفارق حاله في ذلك حال من لا يعرف ما يأمر به ، وينهي عنه ، وحال المحتاج الذي يأمر وينهي لأمر يرجع إلى نفعه ، أو دفع الضرر عنه ؛ وهذه الطريقة في الصحة بمنزلة ما نقول من أنّ العالم بقبح القبيح ، وبأنّه غنى عنه لا يختاره ، فإذا ثبت أنّه لا داعي له إلى الأمر والنهي ، مع كونه عالما ، إلّا ما ذكرناه ، فلو نهى عن نفس ما أمر به ووقع هذا النهي لدلّ وقوعه على أنّه ليس بهذه الصفة ، وخروجه عن هذه الصفة مع كونه غنيّا ليس إلّا بأن يتغيّر حاله ، في كونه عالما ، وتغيّر حاله ليس إلّا بأن يكشف النهي عن أنّه لم
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
