يجوز أن يتّفق أمران في صفة من الصفات ثم يصير ملجأ إلى أحدهما دون الآخر ، وبهذا نعلم أنّ المدفوع إلى الهرب من السبع وله طريقان أنّه يصير ملجأ إلى الهرب من كل واحد من هذين الطريقين. هذا إذا جعلوه ملجأ إلى فعل الصدق. فإن جعلوه ملجأ إلى أن لا يفعل الكذب فيجب أن يصير أيضا ملجأ إلى أن لا يفعل الصدق لأنهما شيئان إلّا في القبح والغنى (ق ، ت ١ ، ٢٥٩ ، ٤)
ـ لا يجب لأجل ذلك أن يكون الساهي أيضا ملجأ ، لأنّ ما يفعله الإنسان للإلجاء لا بدّ من داع يبلغ الغاية في القوّة ، ولا بدّ من اختصاصه بأمر معيّن ، وما يقع من الساهي لا داعي معه. ولا يثبت لأحد الفعلين المقدورين اختصاص ليس هو لآخر ولا يمكن أن يقال : هلا وصفتم فعل الملجأ بأنّه واجب من حيث لو لم يفعله لاستحقّ الذمّ وهذا حال الواجب؟ وذلك لأنّ هذا التقدير يخرجه عن الإلجاء. فإنّه متى وقف ولم يهرب عند مشاهدة السبع فلاعتقاده أنّه يقاومه. وهذا يمنع من كونه ملجأ. والذي يجري في كلام" شيوخنا" إنّ أحدنا ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ولو قتلها لاستحقّ الذمّ ، إنّما أرادوا به لو تغيّرت حالته في ذلك بدخول شبهة عليه فقتل نفسه لاستحقّ الذم ، وهذا لا يقدح فيما ذكرناه. وقد قيل : إنّه لو وقف لكان استحقاقه للذمّ على الوقوف الذي هو فعل لا على أن لم يفعل الهرب. والأوّل أولى لأنّه لا مزية لأحدهما على الآخر. فليس إلّا أنّه يخرجه ذلك عن الإلجاء فيكون تقديرا باطلا (ق ، ت ١ ، ٣٦٤ ، ٢٠)
ـ جملة ما يعدّ في الإلجاء لا تخرج عن طريقين : أحدهما بما يرجع إلى إعلام المكلّف أنّه لو حاول أمرا من الأمور منع منه سواء كان في الفعل أو الترك. والثاني ما يكون بطريقة المنافع الخالصة ودفع المضارّ الخالصة. فالأوّل هو كما يعلم الواحد منّا أو يغلب في ظنّه أنّه إن حاول البطش بهذا السلطان الظلوم حال دونه من حوله من أصحابه الظلمة فيصير ملجأ إلى أن لا يحدّث نفسه بذلك. فهكذا لو أعلم الله المكلّف أنّه إن حاول القبيح منعه منه أو رام ترك الواجب منعه منه ، لأنّه والحال هذه لا يحسن تكليفه لفقد الدواعي له إلى ذلك. وعلى هذا نجعل أحد وجهي الإلجاء في أهل الجنّة هذا المعنى ، على ما سيجيء من بعد. وكذلك الحال في الوجه الثاني من وجهي الإلجاء مما يرجع إلى المنافع ودفع المضارّ ، لأنّه قد علم أنّ الواحد منّا ، إذا قدّم إليه طعام لذيذ وهو يشتهيه ولا منع عليه ولا شبهة ولا اعتقاد مضرّة في الحال ولا في المستقبل بوجه من الوجوه ، فإنّه لا محالة يختار تناوله على حدّ لا يبقى بإزائه ما يصرفه عنه. وكذا الحال في دفع الضرر. بل هو في دفع الضرر أبين ، على ما يقال في الهرب من السبع الذي يعلم أو يغلب الظنّ افتراسه. وليس المعتبر في باب الإلجاء إذا كان مبنيّا على الظنّ أن يكون المظنون على ما ظنّه. فقد يصحّ ثبوت الإلجاء في السوداويّ إذا ظنّ من دون أمارة صحيحة أنّ هذا الحيوان الذي يشاهده يفترسه أو ظنّ أنّ السقف الذي قعد تحته يسقط عليه ، لأنّ في كل ذلك يثبت الإلجاء لمّا كان تابعا للظنّ. ثم الحال في الإلجاء إذا كان بطريقة المنافع والمضارّ هو أن ينظر فيه. فإن تعيّن بشيء واحد فهو ملجأ إليه بعينه. وإن قام غيره مقامه حصل الإلجاء على تخيير ، نحو أن يشاهد السبع وله
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
