فليس يحصل شيء منها مسبّبا إلّا العلم. وأمّا أفعال الجوارح فثبت التوليد في الآلام والتأليف والأصوات والأكوان والاعتماد ، وليس يخرج جميع أفعال الجوارح عن هذه الخمسة ، وفي كلّها يثبت التوليد وإن كان بعضها كما يثبت متولّدا يثبت مبتدأ. وبعضها لا يصحّ أن يقع إلّا متولّدا ، وليس إلّا الأصوات والتأليف والآلام. وأفعال القلوب ما كان منه متولّدا فإنّه يصحّ وقوع جنسه مبتدأ وهو العلم.
وأمّا الذي يولّد فهو الاعتماد والكون من أفعال الجوارح ، والنظر من أفعال القلوب فقط. والذي يولّده الاعتماد هو اعتماد آخر. والكون من حركة أو سكون والصوت. والذي يولّده الكون هو التأليف والآلام ، والذي يولّده النظر هو العلم. وما خرج عن هذه الجملة فليس يجوز وقوعه إلّا مبتدأ نحو الإرادة والكراهة والظنّ والفكر. ثم تنقسم هذه المسبّبات ففيه ما يتولّد عن السبب في الثاني ، ومنه ما يتولّد في الحال ، والذي يولّد في الثاني ليس إلّا النظر والاعتماد ، وما يتولّد عن الكون فإنّه يجاوز ولا يتراخى. والطريقة التي بها يعرف أنّ الشيء يولّد أن يحصل غيره بحسبه. وإمارة توليده أن يحصل بحسب غيره. فكل ما يثبت فيه هذا الوجه قضينا بأنّه متولّدا. وما ليس هذا حاله أخرجناه عن هذه الجملة. وإمارة ما يتعذّر فعله منّا إلّا بسبب هو أنّه لا يتمكّن من فعله إلّا عند فعل آخر نوقعه بحسبه إذا زالت الموانع (ق ، ت ١ ، ٤٠٨ ، ٦)
ـ إنّ إثبات أفعال الجوارح فعلا له (للعبد) ، أقوى من إثبات ذلك في الإرادة ، وذلك لأنّا إنّما نبيّنها فعلا له لكونها تابعة للمراد في أن ما يدعو إليه يدعو إلى فعلها ، وما صرف عن المراد صرف عن فعلها ، فلو لم يكن المراد فعلا للإنسان ، لم يصحّ إثبات الإرادة فعلا له ، من حيث كان طريق ثبوتها فعلا له كالتابع لطريق ثبوت المراد فعلا له. على أنّا قد بيّنا أنّ الإرادة لا يصحّ أن تكون موجبة من قبل ، بأنّها لو كانت موجبة لم يصحّ أن توجب المراد على الوجه الذي يوجد عليه ، فإذا صحّ ذلك ، فلولا أن الإنسان قادر على أفعال الجوارح لم يجب وقوعها بحسب قصده ، كما لا يجب وقوع تصرّف زيد بحسب قصد عمرو ، وفي وجودنا الأمر بخلاف ذلك دلالة على أن المرادات مقدورة للإنسان ، وأنّه فاعلها كما أنّه فاعل الإرادة (ق ، غ ٩ ، ١٥ ، ١٥)
ـ إذا صحّ أنّ في أفعال الجوارح قبائح ، وثبت أنّ القديم تعالى لا يجوز أن يختار فعل القبيح لكونه عالما بقبحه ، وبأنّه غني عن فعله ، وصحّ أنّ الفاعل لا يجوز أن يكون المحل بطبعه أو بغير طبعه ، وبطل القول بأنّه لا محدث لهذه الحوادث ، فيجب القضاء بأنّها أفعال للإنسان ، كما أن الإرادة فعله (ق ، غ ٩ ، ١٦ ، ٦)
ـ إنّ أفعال الجوارح تقع بحسب القدر الحالّة فيها ، فلو كانت فعلها للمحل أو للقديم تعالى ، لم يجب ذلك فيها. فإذا علمنا أنّها تقع بحسب ما يحصل في محالها من القدر ، علمنا أنّها فعل للإنسان كما أنّ الإرادة فعله. فإن قال ومن أين أنّها تحدث في الجوارح بحسب القدر التي فيها ، بل ما الدليل على أنّ في الجوارح قدرا؟ قيل له : لأنّا نعلم أنّ حال القادر منّا يختلف فيما يصحّ أن يفعله في جوارحه في الأوقات ، فمرّة يصحّ أن يحمل الثقيل بيديه ، ومرّة أخرى لا يصحّ منه إلّا حمل ما هو دونه ، وقد علمنا أنّ احتمال المحلّ لحمله في الوقتين على أمر
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
