الإسلام تعتمد التنظير العقلي في توثيق العلاقة بين الخالق والمخلوق ، بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني ، بين إرادة الله وإرادة الإنسان ، بين القدرة المطلقة والاقتدار الإنساني ، بين التكليف من جهة والمسئولية المترتّبة عنه من جهة ثانية.
إذا كان لكلّ عصر موضوعاته التي تعنيه قبل سواها وله منهجيته الخاصة في البحث والتعليل ، فإن عصرنا الحاضر يمكنه أن يتناول موضوعات علم الكلام مطروحة من جانب آخر. فالفكر البشري هو نتاج حركة تطورية تصاعدية ، مما يقتضي أن تكون الطروحات الفكرية ومناهج البحث التي آل إليها عصرنا الحاضر ناجمة عن تعمّق الفكر بموضوعات التراث مأخوذة من جانبها الإنساني فقط.
إنّ العودة إلى التراث تقتضي من الباحث أخذ موضوعاته وفهم طروحاته في ضوء ما آل إليه العقل البشري اليوم وفي ضوء اهتمامات الإنسان المعاصر التي ترتدّ أصلا إلى التركيز على إنسانيته ومعياريات هذه الإنسانية. إنّ إنسان اليوم لم يعد يهتمّ إلّا بتحقيق ذاته في هذا العالم من خلال العمل الذي يقوم به. أضف إلى ذلك أننا نجد اليوم أنفسنا أمام مصطلح جديد بدأ يتم تداوله في بعض الأوساط الفكرية وخصوصا في إيران وهو مصطلح علم الكلام الجديد. وكأن البعض بدأ يستشعر الحاجة إلى بناء حقل فكري جديد تعرض من خلاله العقيدة الإسلامية.
هذا الحقل الفكري الجديد يهدف إلى تقديم صياغات نظرية جديدة للفكر الإسلامي وفي لغة معاصرة وأدوات مفهومية مختلفة. وربّما سعى إلى محاولة اكتشاف وجوه الأصالة والحداثة إن على صعيد المصطلح أو على صعيد المفهوم الملتصق به ضمن هذا الحقل الجديد.
إن الفكر العربي الإسلامي مدعوّ اليوم إلى أن يعرض نفسه بأطر جديدة وحديثة ، وربّما كان إبراز المصطلح الذي نقوم به في هذا العمل هو أحد أهمّ بواكير هذه الأطر الحديثة.
أهمّيّة المصطلح الكلاميّ :
إنّ مسألة المصطلح الذي ينبني فيه الفكر هي الأساس الذي يجب أن ننطلق منه في سبيل تأسيس فكر عربي فلسفي ، بحيث يصاغ هذا الفكر في قوالب لغوية مألوفة لذوقنا العربي ومعبّرة في آن عن منطلقاته العينية. إنّ مسألة المصطلح المعبّر عن
