أصالة علم الكلام وحداثته :
إذا كان البعض (ابن خلدون) يعتبر أن علم الكلام هو علم مستحدث الصنعة دخيل على الملّة ، فإن البعض الآخر (الغزالي) اعتبره من العلوم التي ندب الله لها طائفة من المدافعين عن العقيدة هدفهم الذّود عنها وحراستها من تشويش أهل البدعة.
بدأت بواكير هذا العلم في صدر الإسلام خصوصا مع تلك التساؤلات حول بعض مرتكزات العقيدة (القضاء والقدر) ومع تلك الاجتهادات في تفسير بعض الظواهر وبعض الأحداث التي كانت تعترض بعض المسلمين إن كان على صعيد العلم أم على صعيد العمل وخصوصا بعد وفاة الرسول. أمّا أيام الرسول فإنّ كل المستجدّات التي لم يكن للمسلمين عهد بها من قبل أو تلك التي لم ترد بها أحكام عقيديّة كان الرسول يتكفّل بتفسيرها وإطلاق الأحكام بشأنها ، مما جعل سنّته وأحاديثه تجري مجرى الأصل الثاني بعد القرآن.
لقد بدأ إذن علم الكلام ذا منطلقات إسلامية صرفة في صدر الإسلام وبداية العصر الأموي. فكثيرون كانوا يجادلون ويتساءلون ويحاولون إبداء الرأي في ما أنزل ، خصوصا بعد أن خمدت العاطفة الدينية وابتعدنا أكثر عن مركز الرسالة الأولى. كل هذا يدحض القول إن الجدل في الإسلام بدأ متأخّرا في الزمان ، وإن المماحكات قد حدثت في تلك الأصقاع التي دخل إليها الإسلام ، وكان فيها عقائد أخرى تختلف عنه.
إن الجدل حول العقيدة الإسلامية لم يكن فعلا بتأثير التيارات الغريبة عن الإسلام فقط بل أيضا تأسّس من طبيعة التساؤل التي يملكها الإنسان. فالعقل البشري عند ما تخمد العاطفة يبدأ بالتساؤل ومحاولة التفسير والإجابة عن كل ما يعرض له ولا تسكن نفسه إليه. لذلك فإن الحديث في القضاء والقدر والاختيار وأفعال الإنسان والمكلّفين ومسائل الثواب والعقاب وغيرها مما ورد في علم الكلام ، كل ذلك بدأ باكرا في الإسلام.
بيد أنه ما لبث هذا العلم (علم الكلام) أن تقاطع في العصر العباسي مع كل العلوم الدخيلة الوافدة كالمنطق والفلسفة ، إلى أن استوى في نهاية الأمر مع الإمام الفخر الرازي وغيره علما قائما بحدّ ذاته ، مؤسّسا لميتافيزيقا إسلاميّة تعتمد المقايسة العقلية في الاستدلال على الغائب من خلال الشاهد. فغدا هذا العلم فلسفة جديدة في
