تجوهر الحقيقة ولا يوجب تجوهره ؛ والتقدّم بالطبع فيما تقدّم على الشّيء فى الموجوديّة ولا يوجب وجوده ، فله يسوغ حينئذ أن يطلق التقدّم بالماهيّة أو التقدّم بالطبع على الجاعل الموجب التّامّ وإن كان متقدّما البتّة على مجعوله فى تجوهر الحقيقة ولا فى حصول الوجود وفى وجوب التّجوهر والوجود.
وأمّا أنا فإلى الآن ما ألفيت ما يصلح أن يظنّ داعيا إلى هذا الاحتباس ، بل ربما وجدت ما يحقّ أن يعدّ صارفا عنه. فميزان انفصال التّقدّمات بعضها عن بعض لحاظ الحيثيّات المختلفة ورعاية الاعتبارات المتكثّرة.
فالجاعل الموجد الموجب التّامّ من حيث يتوقف عليه تجوهر ماهيّة المعلول مع عزل اللّحاظ عن كونه بعينه الموجد الموجب متقدم بالماهيّة ، ومن حيث يتوقف عليه وجوده مع عزل اللّحاظ عن كونه بعينه جاعل نفس الماهيّة وموجب تجوهرها ووجودها متقدّم بالطبع ، ومن حيث كونه هو الجاعل الموجد الموجب التّامّ متقدّم بالعلّيّة فى التّجوهر والوجود وجوبهما.
فإذن ، القيّوم الواجب بالذّات ـ جلّ ذكره ـ له التقدّمات السّبعة بأسرها على معلوله الأوّل ، مثلا ، إلاّ التّقدّم الزّمانىّ ، إذ يمتنع أن يتّصف به غير الزّمانيّات والآنيّات. لكنّ الوجود فى صقع الرّبوبيّة ليس مفهومه وراء مفهوم التقرّر والتّجوهر ؛ لأنّ الماهيّة هناك عين الإنيّة ، وكذلك الوجوب هناك عين الوجود وعين التّجوهر. فالتّقدّم فى تجوهر الحقيقة هناك عين التّقدّم فى الوجود وعين التقدّم فى الوجود ، لا يكاد يختلف بالاعتبار أيضا إلاّ بالقياس إلى حال المتأخّر المعلول ، فإنّه كما أنّه يتأخّر فى وجوده فكذلك يتأخر فى تجوهر سنخ ماهيّته وفى وجوب تجوهره ووجوده.
فإذا لوحظ تقدّمه ـ تعالى ذكره ـ على وجود المعلول ولم يوجبه اللّحاظ إلى غيره ؛ قيل: إنّه تقدّم بالطّبع. وإذا لوحظ تقدّمه على نفس ماهيّة المعلول ولم يوجبه اللّحاظ إلى اعتباراتها اللاّحقة ؛ قيل : إنّه تقدّم بالماهيّة. وإذا لوحظ تقدّمه على كلّ من ماهيّة المعلول ووجوده ووجوب تجوهره ووجوده ؛ قيل : إنّه تقدّم بالعليّة.
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
