انبتات الوجود فى وعاء الدّهر. فإذا وجد الشّيء فى وعاء الدّهر بانفراض عدمه الدّهرىّ وارتفاعه عن الواقع بالمرّة لم يصحّ أن يكون لذلك الوجود انفراض فى وعاء الدّهر وانسلاب عن الواقع أصلا وإن كان ذلك الشّيء من الزّمانيات وممّا يكون له انقطاع الوجود فى افق الزّمان.
فالوجود والعدم إذا كانا زمانيّين يصحّ أن يتأخّر كلّ منهما عن الآخر تأخّرا بالزّمان، ولا يصحّ مثل ذلك فى التّأخّر الدّهرىّ مطلقا ، سواء كان فى الزّمانيّات أو فى الدّهريات المحضة ، بلى إنّ الشّيء الممكن يتأخّر وجوده عن عدمه تأخّرا دهريّا ولا يتأخّر العدم عن الوجود تأخّرا دهريّا فى شيء من الأشياء أصلا.
(٣) ومنها : أنّ المتأخّر بالتّأخّر الدّهرىّ لا يلزم أن يكون متأخّرا بالزّمان أيضا. وأمّا المتأخّر بالزّمان ، فإن كان الوجود عن العدم لزم أن يكون متأخّرا عنه بالدّهر أيضا ، وإن كان العدم عن الوجود لم يكن متأخّرا تأخّرا بالدّهر أيضا ، بل لا يكون له إلاّ تأخّر زمانىّ فقط.
(٤) ومنها : أنّ تأخّر الورود عن العدم بالزّمان لا يكون للمتأخّر الزّمانىّ بحسبه تخلّف الوجود إلاّ عمّا يتقدّم عليه بالوجود تقدّما زمانيّا ، لا عمّن يمتنع دخوله فى افق الزّمان ويستحيل اتّصافه بالتّقدّم الزّمانىّ ؛ إذ ليس يتصوّر أن يتحلّل بين الزّمانىّ وبين من هو خارج عن افق التّغيّر زمان أو آن ، لا بحسب الوجود ولا بحسب الوهم. فلا يكون هناك تخلّف أصلا (١٧٠).
وأمّا التّأخّر عن العدم بالدّهر فإنّه يكون بحسبه للمتأخّر بالدّهر تخلّف عمّن يتقدم عليه فى الوجود تقدّما سرمديّا ، لا كالتّخلّفات الزّمانيّة المعروفة المألوفة للأوهام ، بل تخلّفا دهريّا ، لا يعقل أن يتوّهم فيه أن يكون ممتدّا أو غير ممتدّ ، ومستمرّا أو غير مستمرّ. وأنّ تعرّفه والاستنامة إليه لمن أرفع المعاريج للقريحة الإنسانيّة ، ولا يكاد يرجى للعقول المئوفة المشوبة بالحسّ ، والنّفوس العسوفة الممنوّة بالوهم أن تستطيع إلى ذلك سبيلا.
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
