لست أقول : إنّ له وجودين : أحدهما تدريجىّ والآخر بمعزل عن التّدريج والدّفعة الزّمانيّة ، ولكنّى أقول : إنّ ذلك الوجود بعينه له اعتباران يترتّب عليهما الحكمان. وكذلك الشّيء المادّىّ الّذي هو حادث زمانىّ يوجد ويكون وجوده بحيث إذا لوحظ من حيث تخصّص هويّته بالوقوع فى حدّ مخصوص من حدود افق التّغيّر كان حصوله لا محالة بعد أن كان قد حصل وجود المادّة بعديّة يتخلّف بحسبها وقوع البعد عن وقوع القبل فى افق الزّمان.
وإذا لوحظ من حيث هو حصول فى وعاء الدّهر وتحقّق حضور عند المبدع الحقّ لم تكن فعليّته بعد وجود المادّة بالفعل بعديّة زمانيّة أو دهريّة ، بل إنّما ذو المادّة والمادّة يكون بذلك الاعتبار وجودهما بالفعل معا معيّة دهريّة وإن كان فى ذلك الاعتبار أيضا وجود ذى المادّة متوقّفا على وجود المادّة ومتأخّرا عنه تأخّرا بالطبع ، لتعلّقه بالمادّة ، لا تأخّرا بالزّمان أو بالدّهر ؛ لكونهما معا فى وعاء الدّهر من غير تخلّف أحدهما عن الآخر فى الكون الدّهرىّ وفى الحصول الحضورىّ عند من هو بكلّ شيء محيط ؛ فإنّ قاطبة الجائزات من المادّيّات والمفارقات والزّمانيّات والموجودات الغير الزّمانيّة موجودة معا بحسب وعاء الدّهر وبحسب التّحقّق الحضورىّ عند جاعلها الحقّ.
فإذن ، قد اعتبر المستقبل من الموجود التّدريجىّ فى الآباد بحسب الوقوع فى وعاء الدّهر ، وبحسب ما يبصر حصوله البصير الحقّ اختير أنّه غير متناه بالفعل وليس ينفذ حكم البرهان على امتناع اللاّنهاية ؛ لعدم التّرتّب والتّعقّب فى ذلك الحصول ، بل إنّ جميع الموجودات والمتكثّرات بحسب ذلك الوجود وباعتبار ذلك الحضور فى حكمه موجود واحد قارّ الوجود بتمامه ، كما قال ـ جلّ من قائل ـ فى القرآن الكريم : مٰا خَلْقُكُمْ وَلاٰ بَعْثُكُمْ إِلاّٰ كَنَفْسٍ وٰاحِدَةٍ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (لقمان ، ٢٨).
وإن اعتبر ذلك بحسب وقوعه التّدريجىّ فى افق التّقضّى والتّجدّد وبحسب ما فى قوّة الأبصار الزّمانيّة أنّ نشاهد حصوله بالفعل ؛ قيل : إنّه متناه ، لا عند نهاية أخيرة لا يتعداها. فحكم البرهان على وجوب تناهى الكميّة إنّما يجرى فيما حواه الوجود
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
