فقال : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً)(١) ، فجعل الله عزوجل أمن مكّة آية لإبراهيم ، فلم يطمع فى أهلها جبّار ، وكان فيما عطف الله تعالى من قلوب العرب فى الجاهليّة على من لاذ بالحرم حتّى يؤمّنوه : (أنّه) (٢) آية بيّنة ، يدلّ على (هذا) (٢) قول قتادة فى قوله : (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)
قال : كان ذلك فى الجاهليّة ، فأمّا اليوم إن سرق فيه أحد قطع ، ((٣) وإن قتل (٣)) فيه قتل (٤).
وقوله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)
وقرئ : (حِجُّ الْبَيْتِ) ((٥) بكسر الحاء (٥)) ، والمفتوح مصدر ؛ وهو لغة أهل الحجاز ، والمكسور : اسم للعمل.
قال سيبويه : ويجوز أن يكون مصدرا ، كالعلم والذّكر.
قوله : (مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)
قال الزّجّاج : موضع (مَنْ) خفض على البدل من (النَّاسِ).
المعنى : ولله على من استطاع من النّاس حجّ البيت [أن يحج](٦).
وجمهور أهل العلم : على أنّ معنى الاستطاعة الموجبة للحجّ : القوّة ، فمن قوى فى نفسه (بالكون) (٧) على الرّاحلة وجب عليه الحجّ ، إذا ملك الزّاد والرّاحلة ، وهذا قول ابن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد ، ومذهب الشّافعىّ وأحمد وإسحاق (٨).
__________________
(١) سورة البقرة : ١٣٦ ، وانظر معناها فيما تقدم من الجزء الأول من هذا الكتاب صفحة (١٩٢ ـ ١٩٣).
(٢) الإثبات عن ج. انظر (معانى القرآن وإعرابه للزجاج ١ : ٤٥٥ ـ ٤٥٦).
(٣ ـ ٣) ج ـ : «ولو قتل».
(٤) وكذا ابن عباس ومجاهد ، وبعض الصحابة والتابعين ، كما فى (تفسير الطبرى ٤ : ١٢ ـ ١٣) و (تفسير القرطبى ٤ : ١٤٠ ـ ١٤١ والدر المنثور ٢ : ٥٤ ـ ٥٥) و (تفسير ابن كثير ٢ : ٦٥) وانظر (تفسير ابن عطية ٣ : ٢٧).
(٥ ـ ٥) ج : «بالكسر» وهى قراءة حمزة وحفص والكسائى ، وكذا أبو جعفر وخلف ، لغة نجد ، وافقهم الأعمش ، وعن الحسن كسره حيث أتى.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ، وأبو بكر ، عن عاصم وابن عامر : حج البيت ـ بفتح الحاء ـ وهى لغة أهل العالية والحجاز وأسد : (السبعة فى القراءات ٢٥١) و (إتحاف فضلاء البشر ١٧٨).
(٦) ما بين الحاصرتين عن قول الزجاج ، كما فى (معانى القرآن وإعرابه للزجاج ١ : ٤٥٦).
(٧) ب : «بالركون». (اللسان ـ مادة : كون): «قال ابن الأثير : الكون ـ مصدر كان التامة. يقال : كان يكون كونا ، أى وجد واستقر : قال الواحدى : يعنى من قوى فى نفسه ، فلا تلحقه المشقة فى الكون على الراحلة ، فمن كان بهذه الصفة ، وملك الزاد والراحلة وجب عليه الحج» (الوجيز فى التفسير للواحدى ١ : ١١١).
(٨) وكذا الثورى وأبى حنيفة وأصحابه ، وعبد العزير بن أبى سلمة ، وابن حبيب ، وانظر تفصيل هذا الخلاف فى (تفسير القرطبى ٤ : ١٤٧ ـ ١٥٣).
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4187_alwasit-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
