واختلف القرّاء فى رفع (العفو) ونصبه (١) ؛ فمن نصب جعل «ما ذا» : اسما واحدا فى موضع نصب ، وجواب هذا (العفو) بالنّصب (٢) ، كما تقول فى جواب «ما أنفقت درهما» أى : أنفقت درهما ؛ ومن رفع جعل «ذا» بعد «ما» بمنزلة الذى ، وردّ العفو عليه ، فرفع كأنّه قال : ما الذى ينفقون فقال : «العفو» ؛ أى الذى ينفقون العفو ؛ فيضمر المبتدأ الذى كان خبرا فى سؤال السّائل ؛ كما تقول فى جواب ما الذى أنفقته : مال زيد ، أى الّذى أنفقته مال زيد.
وقوله : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ)
أشار إلى ما بيّن فى الإنفاق ، كأنه قال : مثل الّذى بيّنه لكم فى الإنفاق يبيّن لكم الآيات ، ليتفكّروا فى أمر الدنيا والآخرة ؛ فتعرفوا (٣) فضل الآخرة على الدّنيا. قال المفسّرون (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) فى زوال الدّنيا / وفنائها فتزهدوا فيها ، وفى إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها.
قال قتادة : من تفكّر فى الدّنيا والآخرة عرف ذلك فضل إحداهما على الأخرى ، عرف أن الدّنيا دار بلاء ثم دار فناء ، وعرف أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء.
٢٢٠ ـ وقوله : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى)
قال ابن عباس : لما أنزل الله تعالى قوله : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(٤) ، و (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً)(٥) انطلق من كان عنده مال ليتيم فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، وجعل يفضل الشّىء من طعامه ، فيحبس له ، حتى يأكله أو يفسد ؛ واشتدّ ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله ـ صلّى
__________________
(١) قرأ الجمهور بالنصب ؛ وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع ـ واختلف فيه عن ابن كثير. وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وابن أبى اسحاق. انظر (تفسير القرطبى ٣ : ٦١) و (إتحاف البشر ١٥٧) و (البحر المحيط ٢ : ١٥٩).
(٢) حاشية ج : «أى : أنفقت العفو».
(٣) أ : «فيعرفوا» بالياء التحتية.
(٤) سورة الأنعام : ١٥٢ ؛ والإسراء : ٣٤.
(٥) سورة النساء : ١٠.
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
