ومذهب «مالك» (١) والشّافعىّ : أنّه لا يأمن بالالتجاء إليه ، ويستوفى منه ما وجب عليه فى الحرم ؛ على ما روى فى الخبر : «أنّ الحرم لا يعيذ عاصيا» (٢).
وعلى هذا فمعنى قوله : (وَأَمْناً) : الأولى أن يأمن فيه الجانى ، فإن أخيف (٣) بإقامة الحدّ عليه جاز. وقد قال كثير من المفسّرين من شاء آمن ومن شاء لم يؤمن ، كما أنّه لمّا جعله مثابة (٤) من شاء ثاب ، ومن شاء (٥) لم يثب.
وكان قبل الإسلام يرى الرّجل قاتل أبيه فى الحرم فلا يتعرّض له. وهذا شىء كانوا توارثوه من دين إسماعيل ، فبقوا عليه إلى أيّام النبى ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فاليوم من أصاب فيه جريرة أقيم (٦) عليه الحدّ بالإجماع.
وقوله تعالى : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.)
قراءة أهل المدينة والشام بفتح الخاء على معنى الخبر ، ويؤكّده أنّ الذى قبله والذى بعده خبر ، وهو قوله : (وَإِذْ جَعَلْنَا ،) و (عَهِدْنا.) ومن قرأ : (وَاتَّخِذُوا) بالكسر على الأمر (٧) ، فحجّته فى ذلك ما :
أخبرنا أحمد بن الحسن القاضى ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسىّ ، حدّثنا عبد الرحيم بن منيب المروزىّ ، حدّثنا يزيد بن هارون ، حدّثنا حميد ، عن أنس قال : قال عمر : وافقنى ربّى فى ثلاث ، قلت : يا رسول الله ، لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ؛) وقلت : يا رسول الله ، إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر ، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب ، فأنزل الله تعالى آية الحجاب ؛ قال : وبلغنى بعض ما آذين به رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يعنى أزواجه ،
__________________
(١) الإثبات عن ب.
(٢) انظر (نيل الأوطار ٧ : ٤٣). حاشية ج : «هذا الخبر يدل على جواز التعرض ، فيكون المراد من قوله تعالى (حَرَماً آمِناً) * أولوية عدم التعرض لا وجوبه».
(٣) ب : «فإن أخيف فيه».
(٤) ب : «مَثابَةً لِلنَّاسِ».
(٥) ب : «ومن لم يشإ».
(٦) الجريرة : الجناية والذنب. (اللسان ـ مادة : جرر).
(٧) والمأمور بذلك قيل : إبراهيم وذريته. وقيل : نبينا صلّى الله عليهما وأمته ؛ وعليهما فيكون معمولا لقول محذوف ، أى : وقال الله لإبراهيم ، على الأول ، وقلنا اتخذوا على الثانى. وبهذا قرأ ابن كثير وأبى عمرو والحمزة والكسائى ، انظر (إتحاف فضلاء البشر ١٤٧) و (تفسير القرطبى ٢ : ١١١) و (البحر المحيط ١ : ٣٨٠).
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
