فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا
____________________________________
إذ يكفي في الدلالة الخارقة دلالة القرآن العظيم المعجزة الباقية ، لكنهم لم يكونوا يذعنون لها (فَقُلْ) يا رسول الله : (إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) إن الآية الخارقة التي تطلبونها غيب خارق لقوانين هذا الكون ، وإنه بيد الله سبحانه ليس بيدي ومن عندي ، وهو أعلم بالمصالح ((وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) (١) ، فإن المتعنّت لا يريد إلا اللّجاج لا الحجة والاقتناع حتى يسير الإنسان حيث إرادته ، إنه لو أراد الاقتناع والدلالة لكفته هذه المعجزة العظيمة ، فهو كمن يأتي بإمضاء الرئيس ، ثم يقول الناس له : «جئ بإمضاء آخر حتى نقبل قولك» (فَانْتَظِرُوا) المستقبل حتى ترون هل يأتي الله سبحانه بما تطلبون (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وهذا الجواب فيه شبه تهديد ، كما تقول للمجرم : اصبر حتى نرى العاقبة.
[٢٢] ثم بيّن سبحانه أن الطبيعة البشرية إنما تطغى إذا رأت نفسها غنية غير محتاجة ، أما إذا وقع الإنسان في أزمة وشدة ، فهو يلوذ بالله ويتوسل إليه ، وهذا دليل على ما كمن في فطرته من التوحيد والاعتراف بالألوهية (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) «الإذاقة» تستعمل بمعنى الذوق باللسان ، كما تستعمل بمعنى الإدراك مطلقا ، وهذا هو المراد هنا ، فإن الرحمة ليست خاصة باللسان (مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) من شدة أو فاقة أو اضطراب أو غيرها (إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا) فإنهم حيث رأوا الشدة
__________________
(١) الأنعام : ١١٠.
![تقريب القرآن إلى الأذهان [ ج ٢ ] تقريب القرآن إلى الأذهان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4167_taqrib-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
