تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيّرة شيئا واحدا فلا (١) ، فكذلك لمّا وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة : شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من أطفئت (٢) ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل ، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق ، والتمثيل الثاني أبلغ لأنّه أدلّ على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخّر ، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ. وعطف أحد التمثيلين على الآخر بأو لأنها في أصلها ، لتساوي شيئين فصاعدا (٣) كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين (٤) تريد أنّهما سيان في استصواب أن يجالسا ، وقوله تعالى : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) (٥) أي الآثم والكفور سيان في وجوب العصيان ، فكذا هنا معناه أنّ كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين ، وأنّ القصتين (٦) سواء في استقلال كلّ واحدة منهما بوجه التمثيل ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك ، والصيب : المطر الذي يصوّب أي ينزل ويقع ، ويقال للسحاب صيب أيضا ، وتنكير صيب لأنّه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول ، والسماء هذه المظلة (٧). وعن الحسن أنّها موج مكفوف ، والفائدة في ذكر السماء ـ والصيب لا يكون إلّا من السماء ـ أنه جاء بالسماء معرفة (٨) فأفاد أنّه غمام أخذ بآفاق السماء ، ونفى أن يكون من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق لأنّ كلّ أفق من آفاقها سماء ، ففي التعريف مبالغة كما في تنكير صيّب وتركيبه وبنائه ، وفيه دليل على أنّ السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه ، وقيل إنّه يأخذه من البحر ، ويرتفع ظلمات بالجار والمجرور (٩) ، لأنّه قد قوي لكونه صفة لصيّب ، بخلاف ما لو قلت ابتداء فيه
__________________
(١) ليس في (ظ) فلا.
(٢) في (ظ) طفيت ، وفي (ز) طفئت.
(٣) زاد في (ز) في الشك عند البعض ثم استعيرت لمجرد التساوي.
(٤) سقط من (ظ) الحسن. وابن سيرين : هو محمد بن سيرين ، أبو بكر ، مولى أنس بن مالك من سبي عين التمر ـ بلدة تقع غربي الكوفة فتحها خالد بن الوليد عنوة عام ١٢ ه فسبى نساءها وقتل رجالها ، فمن ذلك السبي سيرين والدة محمد بن سيرين ـ ولد عام ٤٠ ه ومات عام ١١٠ ه (الأعلام ٦ / ١٥٤).
(٥) الإنسان : ٧٦ / ٢٤.
(٦) في (ظ) معناه أن كيفية القصتين وأن القصتين ، وفي (ز) وأن الكيفيتين سواء.
(٧) في (ظ) المظلمة.
(٨) في (ظ) أنه مطبق لسماء معرفة.
(٩) في (ز) من البحر ويرتفع. ظلمات مرفوع بالجار والمجرور.
![تفسير النسفي [ ج ١ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4162_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
