(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّالْمُعْتَدِينَ) (١٩٠)
رؤيته (قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ) أي معالم يوقّت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحالّ ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهنّ ومدةّ حملهنّ وغير ذلك ومعالم للحجّ يعرف بها وقته ، كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) أي ليس البرّ بتحرّجكم من دخول الباب ، ولا خلاف في رفع البرّ هنا لأنّ الاية ثمة تحتمل الوجهين كما بيّنا ، فجاز الرفع والنصب ثمة ، وهذه لا تحتمل إلا وجها واحدا ، وهو الرفع إذ الباء لا تدخل إلا على خبر ليس (وَلكِنَّ الْبِرَّ) برّ (مَنِ اتَّقى) ما حرّم الله. البيوت وبابه مدني وبصري وحفص ، وهو الأصل مثل كعب وكعوب ، ومن كسر الباء فلمكان الياء بعدها ، ولكن هي توجب الخروج من كسر إلى ضم وكأنّه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها (١) ، معلوم أنّ كلّ ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة فدعوا السؤال عنه ، وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البرّ في شيء وأنتم تحسبونها برا ، فهذا وجه اتصاله بما قبله ، ويحتمل أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنّها مواقيت الحجّ لأنّه كان من أفعالهم في الحج ، ويحتمل أن يكون هذا تمثيلا لتعكيسهم في سؤالهم وأنّ مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخل من ظهره ، والمعنى ليس البرّ وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ولكنّ البرّ برّ من اتقى (٢) وتجنبه ولم يجسر على مثله (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا ، أو المراد وجوب الاعتقاد بأنّ جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارفته الشك (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (٣) (وَاتَّقُوا اللهَ) فيم أمركم به ونهاكم عنه (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لتفوزوا بالنعيم السرمد.
١٩٠ ـ (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) المقاتلة في سبيل الله الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدّين (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) يناجزونكم القتال دون المحاجزين ، وعلى هذا يكون منسوخا بقوله تعالى : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (٤) وقيل هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول
__________________
(١) زاد في (ز) وتمامها.
(٢) زاد في (ز) ذلك.
(٣) الأنبياء ، ٢١ / ٢٣.
(٤) التوبة ، ٩ / ٣٦.
![تفسير النسفي [ ج ١ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4162_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
