(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٤٣)
والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأنّ المصلي يقابلها (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلّها له (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) من أهلها (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) طريق مستو. أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحقّ وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها ، أو الأماكن كلّها لله ، فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطورا إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنّه المالك وحده.
١٤٣ ـ (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ) ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم ، فالكاف للتشبيه وذا جرّ بالكاف ، واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة إلى البعيد ، والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب (أُمَّةً وَسَطاً) خيارا. وقيل للخيار وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محميّة ، أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم ، أو عدولا لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض. أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطا بين الغلوّ والتقصير ، فإنكم لم تغلوا غلوّ النّصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية ، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنّه ولد الزنا (لِتَكُونُوا شُهَداءَ) غير منصرف لمكان ألف التأنيث (عَلَى النَّاسِ) صلة شهداء (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) عطف على لتكونوا. روي أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنّهم قد بلّغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمة محمد عليهالسلام فيشهدون فتقول الأمم من أين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد عليهالسلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم. والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة ، ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى : (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) (١) وقيل لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصحّ إلا بشهادة العدول الأخيار ، ويكون الرسول عليكم شهيدا يزكيكم ويعلم بعدالتكم. واستدل
__________________
(١) المائدة ، ٥ / ١١٧.
![تفسير النسفي [ ج ١ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4162_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
