الشيخ أبو منصور رحمهالله بالآية على أنّ الإجماع حجة لأنّ الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة والعدل هو المستحقّ للشهادة وقبولها ، فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله. وأخرت صلة الشهادة أولا وقدّمت آخرا لأنّ المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة ، فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثاني مفعولي (١) جعل ، روي أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود ، ثم حوّل إلى الكعبة (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) أي وما جعلنا القبلة التي تحبّ أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة إلّا امتحانا للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد ، فقد ارتدّ (٢) عن الإسلام عند تحويل القبلة.
قال الشيخ أبو منصور رحمهالله : معنى قوله لنعلم أي لنعلم كائنا وموجودا (٣) ما قد علمناه أنّه يكون ويوجد ، فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنّه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ، ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنّه موجود كائن لأنّه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجودا ، فإذا صار موجودا يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوما له موجودا كائنا والتغير على المعلوم لا على العلم ، أو لنميز التابع من الناكص كما قال تعالى : (لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (٤) فوضع العلم موضع التمييز لأنّ العلم به يقع التمييز ، أو ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون وإنّما أسند علمهم إلى ذاته لأنّهم خواصه ، أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم ، كقولك لمن ينكر ذوب الذهب فلنلقه في النار لنعلم (٥) أيذوب (وَإِنْ كانَتْ) أي التحويلة أو الجعلة (٦) أو القبلة ، وإن هي المخففة ، واللام في (لَكَبِيرَةً) أي ثقيلة شاقة ، وهي خبر كان فارقة (٧) (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، سمّى الصلاة إيمانا لأنّ وجوبها على أهل
__________________
(١) في (ظ) مفعول.
(٢) في (ز) يرجع فيرتد عن الإسلام.
(٣) في (ظ) و(ز) أو موجودا.
(٤) الأنفال ، ٨ / ٣٧.
(٥) في (ظ) فليلقه في النار وليعلم.
(٦) في (ظ) الجصلة ، وهو خطأ من الناسخ.
(٧) في (ز) واللام فارقة.
![تفسير النسفي [ ج ١ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4162_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
