(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١١٤)
للآخر (كَذلِكَ) مثل ذلك القول الذي سمعت به (قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطّلة (١) ، قالوا لأهل كلّ دين ليسوا على شيء ، وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكلّ فريق منهم من العقاب اللائق به.
١١٤ ـ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) موضع من رفع على الابتداء ، وهو استفهام وأظلم خبره ، والمعنى أي أحد أظلم ، وأن يذكر ثاني مفعولي منع لأنّك تقول منعته كذا ، ومثله (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ) (٢) (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) (٣) ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن أي من أن يذكر وأن تنصبه مفعولا له بمعنى منعها (٤) كراهة أن يذكر ، وهو حكم عام لجنس مساجد الله ، وأنّ مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم ، والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى ، ومنعهم النّاس أن يصلّوا فيه ، أو منع المشركين رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. وإنّما قيل مساجد الله وكان المنع على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأنّ الحكم ورد عاما وإن كان السبب خاصا كقوله تعالى : (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) (٥) والمنزول فيه الأخنس بن شريق (وَسَعى فِي خَرابِها) بانقطاع الذكر ، والمراد بمن العموم كما أريد العموم بمساجد الله (أُولئِكَ) المانعون (ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها) أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله (إِلَّا خائِفِينَ) حال من الضمير في يدخلوها ، أي على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها ، والمعنى ما كان الحقّ إلا ذلك لو لا ظلم الكفرة وعتوّهم. روي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا خفية أن يقتل. وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا بولغ ضربا ، ونادى رسول الله صلىاللهعليهوسلم : (ألا لا يحجّنّ بعد
__________________
(١) المعطلة : فرقة تنكر الخالق والبعث والإعادة والرسل (الملل والنحل ـ الفصل الأول).
(٢) الإسراء ، ١٧ / ٥٩.
(٣) الإسراء ، ١٧ / ٩٤. الكهف ، ١٨ / ٥٥.
(٤) في (ظ) منها.
(٥) الهمزة ، ١٠٤ / ١.
![تفسير النسفي [ ج ١ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4162_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
