ما سميت في الآية قصورا ، ومن هذه القصور قصر المكالمة وغيرها من القصور ، ولقد جعل للنبي كل هذه القصور حتى نزل في قصر قاب قوسين أو أدنى من ربه ، ثم تجاوزه إلى قصر الحقيقة الذاتية حيث صار صورة الأحدية ومرآتها وصوتها ولسانها الناطق.
١١ ـ (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١))
[الفرقان : ١١]
الساعة انكشاف الحقيقة للعارفين ، وهي الساعة الصغرى ، وفيها يكشف الغطاء عن الإنسان فإذا البصر حديد ، ولقد تحدث سبحانه عن قيام الساعة ، ولو لا هذه الساعة ما كان ثم لزوم لخلق البشر ولا لردهم أسفل سافلين ثم عروجهم كنبيهم إلى عليين.
١٢ ، ١٤ ـ (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤))
[الفرقان : ١٢ ، ١٤]
الساعة ثقيلة وشهودها هول ، وليس البصير كالسميع فالبصر أحد وأنفذ. ومكانة الكافرين بعد قيام الساعة حصرهم في جهنم ، وقد قلنا إن أصلها جهنام وهي بئر بعيدة القعر ، فجهنم صورة عالم الكثافة والآفات والحجاب عن الله ، ولهذا وصفت بأنها مكان ضيق ، وقد ألقي الكافرون فيها مقرنين أي مصفدين ، والأصفاد إشارة إلى خواطر السوء التي هي نفسها حجاب ، فالإنسان من دون الخاطر الإلهي والخاطر الملكي وحيد في صحراء لا ماء فيها ولا شجر ولا حقيقة ولا خير ، وشعار الكافر فيها أنا ومن بعدي الطوفان ، وقانونها السائد شريعة الغاب.
١٥ ـ (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥))
[الفرقان : ١٥]
جنة الخلد إحدى الجنات ، وسبق أن ذكرناها ، وكل هذه الجنات تضيق أمام جنة العلم حيث يكون للإنسان شرف العلم بربه ، وقد دبجت يراعة الإمام الغزالي صفحات رائعة في كتابه الإحياء في وصف العلم وذكر قيمته وقيمة العلماء الذين هم تاج الإنسانية وجواهرها ودررها الخالدة.
١٦ ـ (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦))
[الفرقان : ١٦]
قوله : (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ) يعني أن هؤلاء الكمل قد أوتوا حق التصرف في الأسماء الإلهية جمعاء بما في ذلك أسماء الجلال حتى أن البسطامي قال بطشي أشد من بطش الله ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
