الشريعة التي ثبت صلاحها لكل زمان ومكان ، مع ترفعها في الوقت نفسه عن تطورات العلاقة بين الزمان ومكان ، وتجد الناس عبر التاريخ يتبنون أنظمة ، ثم يكتشفون خطلها فيرتدون عنها ، أما الإسلام فلقد ازداد الناس به تعلقا على مرور الزمان بسبب كونه سبحانه عالم السر الإنساني الذي به كان الإنسان إنسانا.
أما السر القرآني فهو مواكبة العلوم العصرية لما جاء في كتاب الله ، وهذا ما حدا بالعلامة مصطفى محمود إلى وضع كتابه في التفسير العصري للقرآن. فلو كان القرآن من عند غير الله لأتى العلم بأشياء ومكتشفات قد تخالف ما جاء في القرآن ، الأمر الذي يثبت عندئذ كون القرآن من تأليف بشر لا من تأليف رب البشر.
٧ ، ٩ ـ (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩))
[الفرقان : ٧ ، ٩]
خلق الله الإنسان ، وعلمه البيان ليظهر علمه به وعلى يديه ، فلو لا الإنسان ما كان للعلم الإلهي أن يظهر ، وهذا هو السر الذي فضل الله به آدم على ملائكة المعقولات ، لأن هذه الملائكة من دون الإنسان لا عمل لها ، فكيف تمارس هذه الخواطر عملها؟
ولقد أنكر الكافرون على الرسول أن يكون بشرا مثلهم. فهم يريدون خلقا فوق الإنسان تنزل عليه الحقيقة ويخرجها للناس وهذا مستحيل وفيه جهل لقيمة الإنسان. فالإنسان هو العقد الفريد والدرة اليتيمة ، وتفاضل الناس فيما بينهم هو الذي يجعل من إنسان ومن آخر حيوانا أو شبيها بالحيوان ، وهذا ما أشار إليه ابن عربي حين أطلق اسم الإنسان الكامل والإنسان الحيوان على الناس.
والنبي مظهر الحقيقة ، وفي ذاته وعلى لسانه ظهرت ، وآلة النبي جسد مثل أجساد البشر ، وهو بلا هذه الآلة لا يستطيع أن يؤدي مهمته ، قال سبحانه (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ) [الكهف : ١١٠] فما امتاز النبي عن البشر إلا بالوحي الإلهي الذي يوحي إليه.
١٠ ـ (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠))
[الفرقان : ١٠]
الإشارة إلى قيمة النبي الحقيقية ، وقيمته في علمه ، وإلى هذا العلم أشير في الآية بالأنهار والقصور ، فالإنسان في رحلة عودته إلى ربه يعيش أحوالا ويمر بمقامات ، وهذه المقامات هي
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
