سورة الفرقان
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ ـ (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١))
[الفرقان : ١]
الفرقان من فرق ، ولقد أنزل القرآن على النبي دفعة واحدة ، ثم نزل منجما بعد ذلك ، ولما كان القرآن كتاب الوجود باعتباره أم الكتاب كان المعنى أن الوجود بدأ بثا وجوديا علميا صرفا مثل عالم لديه نظريات أراد إظهارها ، أما الوجود العياني فهو تفصيل الوجود العلمي أي خروج هذا العلم قوانين وأفكارا ونظريات وعقائد.
وقوله : (عَلى عَبْدِهِ) باعتبار العبد مقام العبودة أي الوحدة ، والنبي رمز الوحدة باعتباره النور الجامع ، ولهذا قالت الصوفية ما قالوا في كون الوجود كله الإنسان الكامل ، وسماه إبن عربي الإنسان الكبير ، ثم قالوا إن الأنبياء والعلماء هم ممثلو هذا الإنسان ، فالنبي وحدة تامة كاملة متكاملة سميت عبدا باعتبار العبد الإنسان لغة أي الصورة الإنسانية المخلوقة على صورة الرحمن ، ولهذا شاهدت الصوفية الله جهارا في عالمه ، فما خرج عنه إلا صورته.
٢ ـ (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢))
[الفرقان : ٢]
التقدير إعطاء الأسماء حقها من الوجود ، والمشاهد في عالم الطبيعة أن كل ما فيها مخلوق بقدر وموجود بقدر ، فهو يولد ويتناسل بقدر ، ويحيا بقدر ، ويعيش بعضه ببعضه بقدر ، فمن المخلوقات من تحيا على النبات ، ومنها على الحيوان نفسه ، ومن النبات ما يحيا بالماء ومنه من يحيا بالحشرات ، فعالم الطبيعة نظام يكشف عن تقدير علمي كامل ليس فيه مجال للفوضى أو المصادفة اللتين يتحدث عنهما بعض العلماء.
أما عالم الإنسان فلقد اتخذ التقدير منح الصورة معناها ، فلكل صورة وجود ومعنى ، والمعنى حقها من التقدير ، فالموحد لا يرى في الوجود إلا الصور ، ولهذا قال صلىاللهعليهوسلم : (إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء فمن اشتهى صورة دخل فيها) ، وقال عبد الكريم الجيلي : الشهادة الأعلى شهود الحق تعالى بعين اليقين في سائر مخلوقاته ، فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوقات فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال ، بل كما أخبر به سبحانه بقوله : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة : ١١٥].
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
