وقد أشار الحق إلى عالم الباطن الذي هو الأصل في تعليم الإنسان فذكر الأمهات والإخوة والأخوات والأعمام والعمات إلى آخر ما ذكر من قرابة ، وهي كلها تدخل في نطاق الكليات الثابتة قريبة الإنسان والتي تعلمه بفتح مغاليق حواسه بمفاتح ظواهر العالم الخارجي نفسه ولهذا كان لا بد للإنسان من إتيان عالم المحسوسات ليستشعر عن قرب ، ثم يستشعر عن بعد ، ثم يبلغ مرتبة تحصيل المعقولات التي بها يستوي الإنسان ويبلغ الكمال.
٦٢ ـ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢))
[النور : ٦٢]
الإشارة إلى الجمع الذي هو الحق باطنا والرسول ظاهرا ، وربطت الآية بين الكثرة والوحدة بالاستئذان ، والحقيقة أن الاستئذان واقع سواء استأذن الإنسان أم لا ، فمن هو الإنسان ، وهو عبد ، حتى يستأذن لبعض شأنه ، وليس هو إلا من ممتلكات الله ، فهو السميع به ، المتحرك به ، وقال ابن عربي : الحق قواك ، كما ليس للإنسان من الأمر شيء ولله الخيرة في ما يختار.
٦٣ ـ (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣))
[النور : ٦٣]
نهي المؤمنون عن أن ينادوا النبي باسمه مجردا ، وكانت هذه عادة العرب منهم يقولون يا محمد أو يا عمر أو يا أبا بكر أو يا علي ، وللنهي لطيفة ، ذلك لأن النبي ممثل الإنسان الكامل فهو الروح الجامع ظاهرا ، ولهذا خص النبي بمكانة هي فوق مكانة الكثرة والجزئيات بينما يمثل هو الوحدة والكليات تمثيلا فرديا كما يمثل الإنسان عادة النوع.
٦٤ ـ (أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤))
[النور : ٦٤]
علمه الأزلي غير علمه التطوري ، وهو أمر بحثاه سابقا ، وقلنا إنه لا يقدح في علمه تعالى أن يستفيد علما من المعلومات ، فهو القائل سبحانه في كثير من الآيات : (وليعلم ، ولنعلم ، وعلم ، والآن علم) ، فهو سبحانه أرسل العلم كليا في عالم الجزئيات ، فألبس الجزء لباس الاسم ، فكان الإنسان مظهر اسم الله ، وهذا الاسم له حلقتان ، حلقة تصله بالعلم الكلي وهو اسمه تعالى الأصلي فلا خروج له عليه ، ولا يكون لخلق خلق ممثلا لاسمه تعالى العليم إلا
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
