عليم حكيم ، والله سبحانه يختم آياته بصفات محددة مثل كونه عليما حكيما أو عليما خبيرا أو غفورا ، وللأمر لطيفة ذلك أن القصد تحقيق تعليم الإنسان ، ولهذا ختمت الآيتان بأن الله عليم حكيم ، يعرف متى يرسل إلى الإنسان حبل الحرية ليستعمله كيف يشاء ، أو أنه يخيل إليه أنه حر يفعل ما يشاء ، حتى إذا أتى اليقين كشف الغطاء ، فصار البصر حديدا بعد أن انكشفت في البصيرة الأسرار.
٦٠ ـ (وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠))
[النور : ٦٠]
النساء مثل القوابل من التعينات ، وعليه فكل ما في عالم العيان يدخل في نطاق الأنوثة لأنه يلقح بالروح ، ويحمل ويضع كما حملت مريم النفس الكلية ووضعت ، وللأنوثة منزلة عظيمة في الوجود ، ولتحققه صلىاللهعليهوسلم بهذه المنزلة قال : (حبب إليّ من دنياكم ثلاث : النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني بالصلاة).
والقواعد من النساء التعينات التي بلغت أجلها ، واستوفت نيل العلم بالتجريد من عالم العيان ، فلم يعد ثمت ما يضاف إلى معلوماتها المتعلقة بتطور الزمان والمكان ، فإذا بلغ العقل هذه الدرجة من التحصيل فلا جناح عليه في أن يستريح ، وكيف لا يستريح وليس وراء التحصيل العلمي من المحسوسات إلا ما قد حصّل؟ ويمثل العلماء النظريون والعمليون هذه المرحلة من النضج العقلي ، ثم يجتبي الله إليه من يشاء من عباده ليزيدهم علما إلى علمهم هو العلم الإلهي.
٦١ ـ (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١))
[النور : ٦١]
الملاحظ في الآية أنها ذكرت الأمراض التي تصيب الحواس الظاهرة ، والحواس الظاهرة تأكل من الظاهر كما تأكل من الداخل ، وهذا ما أشار إليه كانط قائلا إن حال الإنسان في هذه الدنيا كحال من يضع على عينه نظارة خضراء أو زرقاء فهو لا يرى العالم إلا من خلال لون نظارته .. وكذلك الحواس ، وترى الناس في الظاهر متشابهين مثل البط والأوز ، لكن لدى فحصهم وتمحيصهم تراهم معادن منها الثمين ومنها الخسيس ، ومنها النافع ومنها الضار.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
