عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨))
[النور : ٥٨]
إذا نظر إلى الكثرة من منظار الوحدة كان الإنسان الواحد بمثابة الناس الكثر ، أو كما يقال إنسان النوع وإنسان الجنس ، وما دامت الفلسفة تهدف إلى تحقيق الوحدة من خلال الكثرة ، وترد الكثرة إلى وحدة ، كان النظر إلى الإنسان الواحد كالنظر إلى الإنسانية جمعاء ، ومن هذا المنظور يمكن القول إن ما ملكت الأيمان بمثابة الحواس الظاهرة إذ هي ملك الإنسان بالوكالة ، وهي لله حقا وأصلا لأنها استمدت منه قواها ، ولكن الله جعلها في خدمة الإنسان فدخلت في مجال الملكين ، والذين لم يبلغوا الحلم مثل العقل الهيولاني وقد صار يستفيد علما بواسطة العقل الفعال من الباطن والمحسوسات من الخارج فهو لما يبلغ أشده بعد ، وعلى الحواس والعقل الخضوع لإرادة الإنسان التي تكون في هذا الطور حرة لم يبلغ صاحبها مقام العبودة بعد ، والإنسان يستخدم حواسه ، ويسخر فكره في تحقيق غاياته وقضاء مآربه ، وهو يشعر بأنه حر يفعل ما يشاء ، حتى إذا جاء اليقين المشار إليه بصلاة الفجر ، ثم جاء عين اليقين المشار إليه بصلاة العشاء ، لم تعد ثمت حاجة لأن تستأذن الحواس ويستأذن الفكر للدخول على الإرادة ، وكيف يكون ثمت استئذان وفي اليقين تفنى الأنا ويصبح الإنسان عبدا لله كيف يشاء يوجهه؟ ثم إن في الأمر لطيفة وهي أن اليقين يكشف عن كون الحواس والفكر من صنع النفس الحيوانية التي ظاهرها الجسم الكلي وباطنها الروح ، وكنا فصلنا الكلام في كون هذا الجسم لله وبالله ، وأن ليس للإنسان إلا استعماله ، ففي مقام الفناء ، يرى العبد ويتحقق أن جسمه وحواسه وفكره ليسوا له ، وأن الملك لله ، وأنه هو الإنسان الفاني بذاته الباقي بالله ، ففي مملكة الله ثمة طواف للأجزاء بالأجزاء ، وهذا ملاحظ لدى الطواف بالكعبة فإذا الكثير واحد ، وإذا الواحد بالأحد.
٥٩ ـ (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩))
[النور : ٥٩]
الأطفال بمثابة الحواس الباطنة من ذاكرة وخيال ومصورة وحدس وفهم وهي تكون أيضا ملك الإنسان يفعل بها ما يشاء .. ولكن لدى بلوغ اليقين ، وهو ما أشير إليه في الآية بالحلم ، فعلى هذه الحواس الاستئذان من الإنسان الذي دخل الخلوة بدعوة إلهية حيث تم هناك حبس حواسه لتحقيق جلو المرآة واستعداد لتلقي الأنوار ، فلا تتحرك حاسة باطنة في الخلوة إلا بإذن العبد ، ولا يتحرك العبد إلا بإذن الله ، والملاحظ أن هذه الآية والتي قبلها ختمتا بالقول والله
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
