سورة الاخلاص
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ ، ٤ ـ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤))
[الإخلاص : ١ ، ٤]
قال صلىاللهعليهوسلم في هذه السورة : (إنها ثلث القرآن) ، فما السر الذي عرفه رسول الله حتى قال في هذه السورة ما قال؟
قال سبحانه : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشّورى : ١١] فهو الأحد المطلق القديم المتعالي المنزه عن الحلول في أين ، ثم ظهر في أين ، فكان البين لصاحب البين ، حيث يظن أنه سبحانه بائن ، وما هو ببائن ، بل حاضر بالمعية ، وبالهوية ، لنا منه صدور من هذه الهوية ، فنحن من دونه لا شيء وهو الشيء ، ومن شيئتيه كان كل شيء ، فهو الداخل الخارج ، الظاهر الباطن ، وما هذه الصور إلا مظاهر سبحات وجهه سبحانه ، عشقته الأرواح ، وطلبته المهج ، وهوت إليه الأفئدة المنورة ، فرأوه في المدينة المنورة ، والقرية التي ضمت هذه الدنيا والصور والهياكل والأشباح.
كان من قبل أن يكون ، فهو قبل القبل ، وبعد البعد ، فهو بدء الكون ، وهو باق بعد الكون ، فهو وارث الكون ، له كل شيء بالتضاد والاتفاق فهو وريث الثقلين ، والنعلين ، تنزه سبحانه عن أن يوصف إلا بما وصف به نفسه فهو الواحد الأحد ، الفرد ، الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد.
فإلى هذا المقام العالي تعرج الأرواح ، وتلتقيه عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، والسدرة صور ، وهو رب الصور ، محرك الصور ، قاهر الصور ، له الطلعة البهية ، والمجلى السني ، سبحانه إذا وصلت إليه الروح طالعته نورا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : (نورا إني أراه) ، فهو سبحانه النور القديم الباقي ، له الزمان والمكان ، والأنفس والأرواح لا خروج عليه ، ولا معصية فيه ، فهو القهار الجبار ، حاشاه أن يكون له شريك في الملك ، ومن يكون الشريك ، ولا موجود إلا النور ، وهو النور وهو المطلق ، وهو التعين ، فليس ثمة إلا هو ، هو من وراء كل شيء المحيط بكل شيء ، فمن وصل إليه عرفه ، ومن عرفه فني فيه ، ومن فني فيه بقي به ، فكان الصورة الإلهية ، والوحي الذي يوحى ، سبحانه أشرقت الأرواح لما تجلى ، فرأته المعنى والمبنى ، ورأته في كل حي ، وبكل حي ، فهو الحي.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
