سورة النصر
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ ، ٣ ـ (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣))
[النصر : ١ ، ٣]
وعد الله رجاله النصر ، ولله رجال ، بعثهم آحادا إلى الدنيا ليبشروا برسالته وينذروا ، وكان خاتمهم محمدا رسول الله سيد الدنيا والآخرة ونور الوجود ، ولقد عانى النبي الكثير من جراء دعوته ، وكان الله مؤيده وناصره فلا هازم له ، فالحق سيد الكونين ، ورب الثقلين ، له الملك فيهما ، ومن ملكه جنود الخواطر ، ولقد جعل الحق أفئدة من الناس تهوي إلى النبي ، وإلي الدين الجديد ، فكان من أوائل المؤيدين خديجة وأبو بكر وعلي رضي الله عنهم ، ثم أيده الله بعمر بن الخطاب حين سأل النبي ربه ذلك. ثم حقق الله الرؤيا التي أراها نبيه ، وهي فتح مكة ، وظهرت قوة الإسلام ، فجاءت القبائل إلى النبي ، ودخلت الأعراب في الدين أفواجا ، وتمت كلمة الله بالحق ، وتحقق نصر الإسلام ، ولما تلا النبي قول الله : (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) [النّصر : ٣] ، علم أبو بكر الإشارة فقال : نعيت إليك نفسك يا رسول الله ، وتلك لقطة رائعة للصديق صاحب مقام الصديقية حيث أدرك من العبارة الإشارة ، وقد علم النبي فعلا دنو أجله ، فكان يكثر بعد نزول سورة النصر القول : سبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله أتوب إليه.
فالآجال موقوتة ، وإذا جاء نفسا أجلها لا تستقدم ساعة ولا تستأخر ، والأنبياء والوارثون يكاشفون بميقات أجلهم كما حدث للنبي صلىاللهعليهوسلم ، وقد علم الإمام الغزالي ساعة موته ، فقام فتوضأ وصلى ، ثم أخرج كفنه ، وجعله بجانبه ، ثم تمدد على الأرض باتجاه القبلة وأسلم الروح. وجاءت امرأة محمد بن سيرين سيد علماء تعبير الرؤيا فقالت له : رأيت القمر البارحة في الثريا ، فقال : أنا قمر هذا الزمان في هذه البلدة ، والثريا سبعة أنجم ، وبعد سبعة أقبر ، فإن الثريا من الثرى وهو اسم للأرض ، فمات إلى سبعة أيام.
وإيمان كهذا ينقل الجبال من أماكنها. وكان النبي صلىاللهعليهوسلم المؤمن بالقضاء والقدر والأجل يلقي نفسه على الموت غير هياب ولا وجل لعلمه ويقينه بأن لنفسه أجلا ، ولن تقدم أحداث الحياة أجل نفس ، ولن يؤخره حرص الجبان على الحياة.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
