سورة عبس
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ ، ١١ ـ (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١))
[عبس : ١ ، ١١]
الخطاب من المطلق إلى المتعين ، أو من الحق إلى العبد الذي هو محل الخطاب ، فالخطاب كما قلنا داخلي نفسي يدور بين شقي الذات الكلية والذات الجزئية ، والذات الكلية عليمة ، حكيمة ، خبيرة ، لطيفة ، نورانية ، لها العلم المبين ، والذات الجزئية موضع صفة ، فهي محل اختبار ، ولهذا أوتيت قوى الصفات السبع كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام.
والذات الجزئية موجهة ، ولهذا قال الصوفيون الإنسان مجبور في اختياره ، وكذلك قال أرسطو ، فالموصوف يسعى لتحقيق صفته علم هذا أم جهل ، شاء أم لم يشأ ، والنبي كتعين جزئي كان يرى بعقله الجزئي ضرورة استمالة وجوه العرب ورؤسائهم دعما للدعوة وتأييدا لها ، فالرئيس فوق المرؤوس ، والغني ليس كالفقير ، وقال : اليد العليا خير من اليد السفلى وقد دعا النبي ربه أن يؤيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل ، ولكن الله صاحب العلم الكلي يرى ما يراه صاحب العلم الجزئي وفوقه وأمامه فهو سبحانه آتى كل نفس هداها ، وهو سبحانه قدر ألا يبعث نبيا إلا اتبعه الفقراء والمساكين وقيل الأراذلة أيضا ، وسبب نزول السورة أن النبي كان يتحدث مع عين من أعيان قريش يرجو إسلامه فجاءه أعمى هو عبد الله بن أم مكتوم ، فرغب عنه إلى من هو في قومه وجيه ، فكان العتاب ، والعتاب نفسه يؤكد كون النبي وحيا يوحى إليه ، وعبدا مصطفى يوجه وتسدد خطاه ، والنبي لم يك ذا علم ، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فالحق هو الذي علمه وهو الذي أدبه ، ونزول هذه السورة بالذات يثبت أن القرآن منزل من الغيب على النبي ، وأنه ليس من وضع النبي وتأليفه ، فمن غير المعقول أن يلوم مؤلف نفسه ، ويعاتبها ، ويكشف نقصه للناس ما دام هو الخلاق والمؤلف.
وثمت نقطة ثانية في الموضوع ، فلقد تحدثنا عن أن الإنسان صاحب إرادة جزئية هي جزء من الإرادة الإلهية موهوبة له ، فهذه الإرادة موجودة ، وإذا أضيف إليها الوعي الحسي الذي تتميز به الأنا الجزئية كان الناتج الوجود الإنساني الجزئي الذي له وعي وإرادة وقدرة وتصرف
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
