قلنا في كتابنا الإنسان الكبير إن المجرمين هم أصحاب الجرم ، بكسر الجيم ، أي الجسم الذي يسكنون ، يدعون أنهم له مالكون ، فليتفكر الإنسان في الجنين يمكث في رحم أمه تسعة أشهر حتى يتم تكوينه ، ويخرج إلى النور ، فليتفكر في هذه الساعة الخفية التي تضبط الوقت ، وتحسب الحساب ، فلا تستعجل ولا تستأخر ، وليتساءل أين مكان هذه الساعة ، وكيف تعمل وإذا لم تكن ثمت ساعة حسية في جسم الجنين ، أو في رحم أمه ، فمن الذي قام بدور الساعة؟ وكيف قدر الأمر أزلا بأن يكون مكث الجنين في الرحم تسعة أشهر لا عشرة أو ثمانية أو عاما أو عامين؟ ولماذا تكون مدة الحمل للجنين البشري تسعة أشهر ، ثم تختلف هذه المدة لدى بقية المخلوقات ، فيكون للقط الجنين قدر ، وللكلب قدر ، وللحصان قدر ، ولكل نوع من الطيور قدر ... ثم ما هي النطفة التي يتكون منها المخلوق؟ ما هذا الماء الذي حير العلماء فظلت أعناقهم لسره خاضعين؟ ولكم أكبّت العلماء على هذا الماء فاحصين ، ولكم اكتشفوا من قوانين وأسرار منها قانون الوراثة العظيم .. وكيف ينقل المني صفات الوالدين الفيزيولوجية ، وقيل المعنوية النفسية ، فيكون ابن الأسود أسود ، وابن الأصفر أصفر ، وابن الطويل القامة طويل القامة ، وابن القزم قزما؟ بل إن الحق سبحانه ليذكر على لسان نوح واصفا الكافرين ونسل الكافرين (وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (٢٧) [نوح : ٢٦ ، ٢٧] ، فأكد سبحانه أن الكافر يلد كافرا أيضا ، والموروثات لا تنتقل إلا بمشيئة الله سبحانه ، فليس محتما مثلا أن يكون ابن المريضة مريضا ، ولا ابن الكافر كافرا كما كان حال إبراهيم ، ولا ابن المؤمن مؤمنا كما كان حال نوح وولده ، إذ أن ابن نوح ورث طبع أمه الكافرة لا طبع أبيه.
٢٨ ، ٥٠ ـ (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠))
[المرسلات : ٢٨ ، ٥٠]
الإشارة إلى دخان جهنم الذي هو من النار ، والنار العنصر اللطيف الذي خلق منه إبليس والجن أيضا ، وقلنا الجن ما استتر ، فالإشارة إلى الفكر الذي بطن الإنسان ، ووصف بأنه ذو
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
