ثلاث شعب ، وفي الحديث أن للكرسي قدمين ، وهما اليمين والشمال ، أي ما ينقسم إليه الفكر من تضاد كنا ذكرناه ، فاليمين والشمال ، أي الكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ، شعبان للفكر ، وهما سبب التناقض الفكري ، والشعب الثالث الوصول إلى قرار يكون مبدأ للفعل ، فالعملية الفكرية وصفت في الآيات بأنها دخان نار ، والإنسان قرينه الجن إن لم يكتشف سر لعبة التفكير ، وإن لم يرد هذا السر إلى الله ، فلئن ظل محجوبا عن ربه فهو بالتالي ضحية الانشطار الفكري أبدا ، ولهذا كان بعيدا عن الله يصلى جهنم ، والعملية نفسية ذات صلة بالدماغ ، وكنا ذكرنا صلة النفس المادية بالدماغ ، وأنها اتخذته آلة ووسيلة لإجراء عملية التفكير نفسها ، ولهذا جاء في الآية الثالثة والثلاثين أن شعب الفكر الثلاث ذات شرر كأنه جمالات صفر ، والجمالات جمع جمل إشارة إلى حجم القضية ، أما وصفها بأنها صفر فله نكتة ، فلقد جاء في تفسير الجلالين أن العرب تسمي سود الإبل صفرا لشوب سوادها بصفرة ، فقيل إن الصفر في الآية بمعنى سود ، ولما كانت الصفرة إشارة إلى النفس كما جاء في وصف البقرة في سورة البقرة ، كانت الإشارة واضحة إلى النفس المادية الصفراء ذات الصلة بالعالم المحسوس الذي وصف بالسواد ، فكل تفكير بشري هو تفكير مادي ذو صلة بالعالم وموضوعاته ، وهذا هو فحوى فلسفة كانط الذي فضح دور العقل في نظرته إلى العالم ، وكون الإنسان سجين العقل لا يستطيع النظر إلى العالم إلا من خلال عقله ، وأضاف كانط قائلا أن لا سبيل إلى معرفة الشيء في ذاته ، أي الله ، إلا عن طريق الأخلاق التي تنصب جسرا بين الباطن والظاهر ، أي بين الروح والعالم المادي ، فمن لم يدرب درب الأخلاق فهو كما وصف في الآيات من القوم الذين لا ينطقون ، بل أنفسهم هي التي تنطق ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، لأنه لا وجود لهؤلاء حقيقة إلا كمظاهر لنفسهم ذاتها ، ولا يستطيعون معرفة الحقيقة لأنهم محكومون مسبقا بأفكارهم بل وأخلاقهم التي قيل في وصفها في الفلسفة بأنها معطيات أولية جاهزة لا سبيل إلى الفكاك منها.
أما من أعطى واتقى وتبع منهج الله ، وذلك وفق الاستعداد الفطري أيضا ، فهو الذي درب درب الأخلاق ، فقاده المنهج الأخلاقي إلى معرفة القواعد الأخلاقية ، أو القانون الأخلاقي الذي هو أساس المعرفة الإلهية ، إذ يكشف هذا القانون المثل ، وتكشف المثل الأعيان الثابتة أو المعقولات ، وتكشف المعقولات وجود النور موجدها ، فإذا الحق ظاهر بعد أن كان باطنا ، وإذا الإنسان المحجوب قد كشف حجابه ، فصار بصره حديدا ، فرأى الله جهارا في الصور.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
