(٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦))
[المدثر : ٣٢ ، ٥٦]
القمر إشارة إلى القلب المستضيء بضياء شمس الذات ، والقسم دال على عظمة القمر ومكانته عند الله إذا ما صار بدرا ، أي مرآة كاملة تعكس أنوار الله ، وإلا فالقمر غاسق مظلم وحجاب كثيف عن الله كما أوردنا حديث النبي صلىاللهعليهوسلم لعائشة رضي الله عنها عند ما أخذ بيدها ، وأشار إلى القمر قائلا : (إستعيذي بالله من شر هذا ، فهو الغاسق إذا وقب).
وإدبار الليل وإسفار النهار سقوط الحجب بين الإنسان والله وظهور الله ، وما دام الليل دام الحجاب ، ولهذا تبع القسم بالصبح قوله تعالى : (إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ،) أي البلايا العظام ، وبلية البلايا البقاء في جهنم البعد وقالت الآية الثامنة والثلاثون إن النفس رهينة كسبها ، وكسبها حبسها في محبس المادة والبدن ، ثم ربطت الآيات بين هذا المحبس وجهنم المسماة سقر ، وقالت إن هذا الحبس نتيجة أخلاقية فعلية ، إذا أن أصحاب جهنم لهم سلوك معلوم ، فهم ليسوا مع الله ، ولا مؤمنين ، ولذلك هم لا يصلون ، ولا يصلون المساكين ، وهم بكل آية يمترون ، وهم يكذبون بأن لهذا الوجود حقيقة روحية أصيلة أزلية أبدية هي المبدأ والمعاد ، ومن كان هذا شأنه فهو مثل حمر وحشية فرت من أسد ، وللتشبيه لطيفة ، ذلك أن جلال الدين الرومي ذكر في كتابه المثنوي قصة الأسد والذئب والثعلب وقد اصطادوا حمارا وظبيا وأرنبا ، فسأل الأسد الذئب كيف يقسم الصيد ، فقال الحمار لك ، والظبي لي ، والأرنب للثعلب ، فضربه الأسد ضربة قضت عليه ، ثم سأل الثعلب السؤال نفسه فقال : الحمار لغدائك ، والأرنب لإفطارك ، والظبي لعشائك ، فقال الأسد : من علمك هذا؟ فأشار الثعلب إلى الذئب القتيل وقال : هذا. والمغزى أن الأسد هو الملك ، والملك مالك له الملك ، وأنى توجه المخلوق كان داخل دائرة ملكه ، فهو الحاكم القاهر ، حر يفعل ما يشاء ، ولا خروج لأحد عليه وإن بدوا ظاهرا خارجين ، فمن حجب عن الله وعاش محجوبا ، فهو في القبضة أيضا وإن كفر وتباهى ولم يكبر سبحانه حاشاه أن يكون له شريك في الملك ، والملك ملكه ، والحكم حكمه ، له المبدأ وإليه المصير.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
