وهذا يمسه الكبر ، وهذا يموت ، ولا يموت إلا هذا المتعين من المادة السوداء التي نقول إنها مثل الروح الجسر الوسيط بين النور الإلهي الخالص والنور الحسي المتمثل في أمواج ضوئية وكهربائية وكهرطيسية ورياح شمسية ، فالكون كما قال هراقليطس يسيل ، ولا يبقى على حاله شيء.
أما في عالم الإنسان فثمة ظهورات ، ظهور أصحاب اليمين ، وهم أصحاب الصفات الجميلة بأمر الله ، لا فضل لهم في التحلي بها ، وظهور أصحاب الشمال ، وهم أصحاب الصفات المضادة ، ولنقل الصفات المتممة للصفات الجميلة ، ثم وأخيرا السابقون بإحسان ، أي بالفعل الإلهي ، الذين اصطفوا واجتبوا ، ومنهم الموحدون الذين يرون الله عيانا في الوجود العياني ويعرفون بالله ما أصحاب اليمين ، وما أصحاب الشمال ، وما دور الإنسان الحقيقي ، وما مكانته عند الله ، وما حقيقة الحرية الإنسانية ، وما القضاء والقدر الذي حارت البرية في معرفته وظلوا له جاهلين ، وما البداية والنهاية وما يوم الدين ، وما الحساب والجزاء ، وما الجنة والنار ، إلى آخر هذه المسائل الغيبية التي لا يدري سواهم عنها شيئا ولا أوتوا من العلم إلا قليلا.
١٠ ، ١٩ ـ (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩))
[الواقعة : ١٠ ، ١٩]
السابقون هم المقربون في جنة القرب التي قال سبحانه في من وصل إليها : (وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) [مريم : ٥٢] ، فهؤلاء مناجون مكلمون ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، وحديث الله إليهم يكون كما قال سبحانه : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً) [الشورى : ٥١] ، فهؤلاء الذين خصوا بالوحي ، وهو تكليم إلي باطني بلا واسطة ، وسميناه الوحي العلمي اللدني ، وهو غير الوحي النبوي الخاص بالشريعة ، أنشد الحلاج :
|
لي حبيب أزور في الخلوات |
|
حاضر غائب عن اللحظات |
|
ما تراني أصغي إليه بسمع |
|
كي أعي ما يقول من كلمات |
|
فكأني مخاطب كنت إياه |
|
على خاطري بذاتي لذاتي |
|
حاضر غائب قريب سعيد |
|
وهو لم تحوه رسوم الصفات |
وقال : إعلم أن العبد إذا وحد ربه فقد أثبت نفسه ، ومن أثبت نفسه فقد أتى بالشرك الخفي ، وإنما الله تعالى هو الذي وحد نفسه على لسان من يشاء من خلقه ، وقال صلىاللهعليهوسلم : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحا ليس بينه وبينه ترجمان).
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
