والإنسان الكامل المتعين في النبي والولي له مشرق آخر في مغرب آخر ، ومشرقه الثاني ظهور الروح الذي كان مخفيا فيه معلنا ها أنذا وعندئذ تنكشف النفس عن أنها روح ، ويكشف الروح عن أنه ليس أنا فقط بل هو نحن أيضا ، وهذا ما أعلنه هيغل بحق ، فالمشرق الثاني الانتباه من النوم الذي يغط فيه الناس أجمعون إلا من رحم الله فأيقظه وأدخله في رحمته ، وتداركه نعمته ، وأدخله في الصالحين ، ومتى ظهر الروح ، فظهر على الفكر ، ومحقه ، فني الإنسان العادي ، وظهر الإنسان الكامل كنوع ظاهرا في فرد ، وهذا الظهور هو ظهور المشرق الثاني في المغرب الثاني ، وهذا ما ورد في حديث الرسول عن أشراط الساعة ، ومنها طلوع الشمس من المغرب ، فالجسم هنا صار إليها أيضا ، وهذا ما دل عليه الحديث القدسي ، صرت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، أي أن قوى الله هي قوى العبد ، ويصبح العبد من ثم اسم الله الظاهر ، قد استبدل بأنيته أنية إلهية ، وبصفاته صفات إلهية ، وصار على التحقيق هو نيابة واستخلافا ، وخلع الحق على عبده المصطفى والمجتبى خلع الألوهية الأحدية وحلاه بالحقائق الصمدانية في شهود الوحدانية ، قال أبو يزيد البسطامي لما بلغ هذا المقام : رفعني ـ أي الله ـ مرة ، فأقامني بين يديه ، وقال لي : يا أبا يزيد ، إن خلقي يحبون أن يروك ، فقلت : زينّي بوحدانيتك وألبسني أنانيتك ، وا رفعني إلى أحديتك ، حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك ، فتكون أنت ذاك ، ولا أكون أنا هناك.
١٩ ، ٢٥ ـ (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥))
[الرحمن : ١٩ ، ٢٥]
سبق أن تحدثنا عن البحر العذب والبحر المالح الأجاج ، وقلنا إن البحر الأجاج هو الأصل ، وإن البحر العذب نتيجة له ، متفرع عنه ، وقائم به ، والإشارة إلى الوجود الجامع للوجودين الحقي والخلقي ، ومذهب أرسطو كله لا يفصل هذا عن ذاك ، وإن كنا قد أخذنا عليه قوله بقدم المادة وبجهل الله لما يحدث في عالم الجزئيات ، ومذهب هيغل يتبع مذهب أرسطو مع رفع الثنائية والعودة إلى الواحدية ، أو الأحادية المعتدلة التي قالت بها المذاهب والأديان الهندية الموحدة ، ويعد مذهب ابن عربي وحدة جامعة للوجودين الروحي والمادي ، وموسوعة دينية فلسفية بيّنت كيف تخرج الكثرة من الواحد ، وكيف يخرج الواحد من الكثرة ، وكيف أن الكثرة هي الواحد وإن تكثرت ، وأن الواحد هو الكثرة مع بقائه في هويته واحدا.
والآيات تبين الغاية من خلق البحرين قائلة إنه يخرج من البحرين اللؤلؤ والمرجان ، وهما إشارتان إلى جميع ما في الوجودين الروحي والمادي من معقولات ومقولات وكليات ، سواء
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
