وربطوا بين الطاقة والمادة ، فجعلوا المادة طاقة ، وجعلوا الطاقة مادة ، وقلنا إن بعضهم قال إن بنية العالم الأساسية عقلية ، وقال آخرون إن الموجات الكهربائية نفسها لا وجود لها حسيا ، وإنها عرفت بمواصفاتها ، وبما دلت عليه الأجهزة القياسية ، أما جوهرها وهي التي لها مالها من دلائل حسية فلقد ظل مجهولا لم يعرف بعد.
١٥ ، ١٦ ـ (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦))
[الرحمن : ١٥ ، ١٦]
الجان إبليس وخلق من لهب خالص من الدخان ، وقلنا إن الجن ما استتر فالجن الخفاء ، فإبليس الخفي مما هو ظاهر ، ولما كان للإنسان قرينه من الجن كان الجن ما خفي من الإنسان ، وما خفي منه هو عقله أي فكره ، سأل رجل صوفيا : إذا كان الله موجودا فلماذا لا نراه؟ فقال : والعقل موجود أيضا فهل تراه؟ وعبثا حاولت العلماء كشف ماهية التفكير وآليته وسببه ، وحاروا في ما إذا كان ناجما عن نشاط الدماغ نفسه ، أو أن له ماهية أخرى تستعين بالدماغ نفسه لتنتج التفكير.
والآية ترجع إبليس إلى الدخان ، والدخان أصل من أصول الوجود المطلق وقاعدة من قواعده ، كما قال سبحانه : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) [فصلت : ١١] ، فالجان الفكر ـ باطن الإنسان ـ وقد اتجه اتجاها يخالف القصد أحيانا تحقيقا للقصد نفسه ، وسبق أن تحدثنا عن دور النقيض في إظهار الأصل وعن معادلة الموضوع ونقيض الموضوع في إظهار النتيجة ، وهي تركيب جديد كما يقول فشته وشيلنج ، أو خروج الصفة كما قال هيغل ، فأنت ترى الحكمة من خلق إبليس صاحب التناقض ، قال ابن عربى : إبليس مجبور في الإغواء ، وقال : ما عصى الله أحد ، ولا أطاعه أحد ، بل الأمر كله لله ، وهو قوله وإليه يرجع الأمر كله ، فأفعال العباد خلق لله ، والعبد محل لذلك الخلق ، وذكر أن إبليس إجتمع إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : يا محمد ، إن الله خلقك للهداية ، وليس لك من الأمر شيء ، وخلقني للغواية وليس لي من الأمر شيء ، فصدقه فصدقه ، فلو لا الديالكيتك الفكري ما كان الفكر فكرا وو لما تطور ، هكذا تقول الفلاسفة الموحدون الألمان ، فإبليس لا يمكن رفعه من الوجود ، ولهذا ورد في موضع آخر من القرآن تبرؤه مما هو فيه والعودة إلى ربه أصله.
١٧ ، ١٨ ـ (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨))
[الرحمن : ١٧ ، ١٨]
للإنسان العادي مشرق ومغرب ، ومشرقه الدور الذي يلعبه الروح في مغربه وهو كيانه ، ولقد فصلنا الكلام في آلية التفكير في كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير ، مبينين أن العملية ذاتها فعل إلهي محض وأن الإنسان ليس إلا جسرا ومعبرا.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
