على مستوى المقولات الأساسية والمفاهيم الأزلية السابقة على الوجود المادي ، أو على مستوى المعقولات المستخلصة من التجارب الحسية والنظرية ذاتها ، ومن هذه الرؤية وضع هيغل كتابه تاريخ الفلسفة قائلا إن هذا التاريخ تاريخ ظهور الروح وتطوره ، وإن الفلسفة ، وإن كانت مجموعة فلسفات ، وناقض بعضها بعضا ، فإن النتيجة بناء صرح وجودي كامل ، شاركت في رفع قواعده الفلسفات المتناقضة ذاتها ، وهذه النتيجة هي التي ضرب لها مثل في الآية الرابعة والعشرين حيث قال سبحانه وله الجوار المنشآت في البحر ، أي السفن الضخمة العائمة كجبال الجليد في بحر الوجود.
والصوفي المحقق وحده هو الذي تكشف له هذه الصورة الوجودية الحقيقية الجامعة للحق والخلق ، الباطن والظاهر ، الثابت والمتحول ، الخالد والفاني ، اللانهائي والنهائي ، ومع الصوفيين العارفين تقف الفلاسفة الموحدون ، ومنهم حكماء الهنود القدامى ، ثم فلاسفة اليونان كفيثاغورس وأفلاطون ، ثم مذهب أخناتون الموحد في مصر ، ثم الفلاسفة المسلمون أمثال الفارابي وإبن سينا ، ثم فلسفات الواحدية الحديثة وأهمها الفلسفة الألمانية التي أتينا على ذكرها مرارا في كتبنا ، ويعد شيلنغ الألماني ، ثالث ثلاثة من الفلاسفة الموحدين الألمان ، مثلا لفيلسوف بدأ من الفكر ، وانتهى إلى صوفية صبغت مذهبه كله بمذهب التوحيد الخالص.
٢٦ ، ٢٨ ـ (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨))
[الرحمن : ٢٦ ، ٢٨]
الوجه الحقيقة باعتبار الوجه الشيء الظاهر ، والحقيقة أن لا موجود حقا إلا الله ، ذلك لأن العالم الحسي هو محيط الدائرة الإلهية وليس له قيام بذاته بل بالله ، ويتبعه الأسماء المعقولات التي لا وجود لها من دون الحق ، فهي الأشعة المشعة عن شمس الذات.
ولكل عيان عين وعين الإنسان عين إلهية هي الأصل وهو الفرع ، وكنّا بيّنا كيف أن الإنسان جسر بين المعقول والمحسوس ، وعلى هذا فكل شيء فان ، أي هو الآن فان ، وليس ثمت من وجود غير فان إلا الوجود الإلهي.
٢٩ ، ٣٠ ـ (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠))
[الرحمن : ٢٩ ، ٣٠]
قالت الصوفية : القضاء تدبير علوي ، والقدر تدبير ذاتي إنساني ، ونضيف قائلين إنه خاضع للخواطر ، متغير كل ساعة بل ولحظة ، ولما كان الإنسان صورة الرحمن ، وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وكان الله هو الدهر كما ورد في الحديث ، كان القدر ، ذلك التدبير الإنساني هو مجال فعل الله نفسه.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
