ومبنى كان العدل نتاج هذه العلاقة بين الحق من جهة والخلق من جهة أخرى ، وبين المعقول نفسه من جهة والعاقل نفسه أي الإنسان من جهة أخرى ، والإشارات ترسم الصورة الجامعة للوجود الإلهي الذي باطنه الله وظاهره الإنسان.
١٠ ـ (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠))
[الرحمن : ١٠]
الأرض مستودع المعقولات المخزونة فيها والمركوزة ، فما من أرض وإلا وفيها معقول ما حتى وإن كانت حيوانا أو نباتا أو جمادا ، وهذا ما تؤكده العلوم الحديثة الكاشفة وجود القوانين العلمية في كل صورة من صور الحياة.
١١ ، ١٣ ـ (فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣))
[الرحمن : ١١ ، ١٣]
النخلة شجرة سماوية ماورائية سمقت في سماء الروح فساقطت على النفس المريمية الداخلة في الخلوة رطبا من العلوم اللدنية الذوقية يراها زكريا العقل فيعجب من هذا الرزق غير العادي فيسألها أنى لها هذا فتقول هو من عند الله ، فالنخلة رمز الشجرة الحاملة للمعقولات ولهذا قال عنها النبي إنها خلقت من بقية الطين الذي خلق منه آدم ، وهي قريبته ، وتسمى أحيانا خيمة الإنسان ، والإشارة إلى أن المعقول ، وإن كان أصله نورا خالصا ، إلا أنه لا يكون معقولا بالفعل إلا بعد جعله في أرض ، يكون فيها كما تكون البذور في التربة لتبدأ فعلها ، وإلا فهي والعدم سواء.
وأشير إلى المعقولات الحسية هذه بالعصف أي التين ، والريحان ، ومعلوم أن التين له لب وبذور ، ولبه مختلط ببذوره فلا يمكن الفصل بينهما ، كما أن للريحان رائحة طيبة ، وهو الورق المشموم ، فكل ظاهر حسي يدل على باطن عقلي ، ولهذا كان الإنسان ، الجامع بين المعقول والمحسوس ، أشرف خلق الله والأعلى مكانة ومرتبة.
١٤ ـ (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤))
[الرحمن : ١٤]
الصلصال الطين اليابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر ، هكذا ورد في تفسير الجلالين ، فإذا عدنا إلى الصوت الذي هو موسيقى التي هي روح الكون علمنا أن الصلصال هو الروح ، أي أن العالم المادي هو الروح ظاهرا وهو مخاض الروح ، فلا بد لهذا الكون من بداية ، والقول إنه قديم صح بطلانه ، والعلماء متفقون على بداية الوجود العياني ، بل ومتفقون على عمره ، وكم له من وجود زمني ، وساعدت العلوم الذرية على تفكيك هذا الصلصال فردته إلى ذرات وذريرات وجسيمات مضادة وأشعة حرارية وأشعة ضوئية وموجات كهربائية ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
