العياني كله ولهذا وصف جبريل بأن له ست مائة ألف جناح. وتحدث السهرودي واصفا هذه الأجنحة التي ضمت تحتها كل بيوض العيانات الظاهرة ، وبالأخص أصواتها وموسيقاها ، ولقد رمز على الأصوات بالأجنحة ، وتصنف في صوتين اثنين هما الإلهام الذي قال فيه سبحانه (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) ، فجبريل هو محرك الكير ، والكير هو نافخ النار حتى تشتعل وتدوم ، فهذه الأصوات آدمية وحيوانية وفلكية هي موسيقى كونية أطلقها الناطق الإلهي بلسان كل مخلوق ، ولقد ثبت أن للأجرام السماوية أصواتا وموسيقى ، وسميت هذه الموسيقى بعد رصدها والتقاطها وتسجيلها موسيقى الأفلاك ، قال جلال الدين الرومي هذا الصوت أطلقه المليك وإن خرج من فم عبد الله ، وقال الشبلي لي أربعون سنة أكلم الله ، والناس يحسبون أني أكلمهم ، فعلى هذا فالأصوات الآدمية هي صدور عن القوابل التي هي القلوب الآدمية نفسها ، إذ قلنا إن اللسان يتكلم من فضلة القلب ، وإن القلب مستودع صوتين خفيين اثنين ، ومبعثهما النفس الكلية الأم التي حملت هذين الصوتين ودفعتهما ، ومن الوضع يتكلم أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، والنفس الكلية قابلة منفعلة بدورها أيضا ، والفاعل فيها الروح الكلي جبريل ، ولهذا كانت كجبريل الأصوات الجامعة والموسيقى الكونية ، فوراء ستارة الكورس المغني ليس ثمت إلا محرك الكير إخراجا لأصوات المعقولات التي يعد كل معقول منها صوتا ، فجبريل أبو الملائكة ، وأول صدور عن الله ، ولهذا كان جبريل حقيقة محمد نورا قديما قدم الله هو مبدأ الانتشار والكثرة ، وهذا وصف الإمام الغزالي له وسماه المطاع كما ورد ذكره في القرآن ، ووصفه بالقدم ، في حين أن العقل الفعال الذي قال به أفلوطين والمساوي لجبريل والمطاع لم يوصف بالقدم كما قال أفلوطين.
وعند ما أسفرت الذات في نفس النبي انكشف له سر المعقولات الممثلة في سدرة المنتهى ، وعند ما دخل عليه جبريل من اليمين والشمال علم النبي معنى قوله تعالى (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) فقال معقبا كما روى ابن عباس ألهم الفاجر فجوره وألهم المتقي المؤمن تقواه ، فالنبي علم كشفا وذوقا أن الصفات لله ، والفعل لله ثم الذات أيضا ، إذ فني النبي فناء وذاب ، فتداعى المتعين وتدكدك جبل أنيته ، وظهرت شمس المطلق الذي لا تحده حدود ، وعند الوصول إلى هذا الفلك تفنى الذات الجزئية وتبقى النفس الكلية مرآة الروح نور الله القديم ، وإذا المكاشف في هذه الحضرة قد وجد نفسه في مركز الدائرة ، وعلم علم اليقين ما معنى الإنسان الجمعي أو الإنسان النوعي الذي يمثل الناس أجمعين ، والذي هو قوام الناس وأساسهم أجمعين ، وهو الفاعل فيهم أجمعين.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
