وللنبي خلفاء في الأرض يخلفونه ، وهو القائل إن الله ليبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ، وقال إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، ولكن يغبطهم الأنبياء والشهداء لقربهم ومقعدهم من الله ، وقال سبق المفردون ، قالوا يا رسول الله ما المفردون؟ قال المهتزون الذين يهتزون في ذكر الله ، يضع الذكر عنهم أثقالهم ، أي أثقال الأنية والاثنينية ، فيأتون الله خفافا ، وقال واشوقاه إلى إخواني الذين يأتون من بعدي ، هؤلاء أنبياء لا أولياء ، وتقول الصوفية ، ومنهم عبد الكريم الجيلي إن محمدا هو الذي يظهر في صورة خلفائه ، مثلما ظهرت حقيقته في الأنبياء من قبله ، يقول الجيلي إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدمين فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب الصورة ، فلا يجوز لك بعد شهود محمد فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من مثل ، ثم إياك أن تتوهم في قولي من مذهب التناسخ ، حاشا الله وحاشا رسول الله أن يكون هذا مرادي بل إن رسول الله له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة ، وقد جرت سنته أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم ، فهم خلفاؤه في الظاهر ، وهو في الباطن حقيقتهم.
فالروح المحمدي فعال أبدا ، وصلىاللهعليهوسلم هو القائل : (أنا حي في قبري) ، والقبر البدن ، فهو صلىاللهعليهوسلم المبعوث دائما كالشمس يشرق ثم يغيب ، ثم يشرق ثم يغيب ، ليعلم الإنسان ما لم يعلم. فما ظهر من ولي محقق عارف إلا كان الروح المحمدي حقيقته ، مثلما كان جبريل نوره صلىاللهعليهوسلم وحقيقته. ففي كل مرة يظهر الإنسان الكامل يكون باطن الإنسان معلم الإنسان ويكون ظاهره هيكلا يحمل هذا النور والروح. فأمثال هؤلاء الخلفاء أمثال الملك وولي العهد الذي يعقبه ويخلفه ، ولهذا كان صلىاللهعليهوسلم يقظان أبدا ، يطوي الأرض فتزوى له ، فهو بكل شيء عليم ، يسعى لتحقيق مقاصد ربه ، فهو وجهه وحقيقته وقدرته وحكمته وعلمه ، والسورة كلها تدل على هذه الحقيقة الوجودية السارية في الموجودات ، واصفة كيف يقع الاتصال بين الباطن والظاهر ، وكيف يصير الإنسان إنسانا متألها ثم إلهيا هو صورة الرحمن وعلمه وإشراقه وبيانه.
وخلفاء محمد المحققون لم يفرقوا عند الوصول إلى الذات العظمى بين داخل الذات وخارجها ، بين المطلق والمتعين ، بين اللامحدود والمحدود ، بين الواحد والكثرة ، فسبحان من ظهر بنفسه لنفسه ، وبذاته لذاته ، فلا يوجد شيء خارج هذه الحضرة ، لا إنسان ولا الحيوان ولا النبات ولا الجماد ولا الأجرام ، بل هو واحد أحد فرد صمد ، يصمد إليه في كل أمر ، إليه تتناهى العقول والفهوم والأقدار ، لا إله إلا هو الواحد القهار ، قال عبد الكريم الجيلي في الوارثين المحققيين أهل القرب الإلهي الذين بنى الله أساس هذا الوجود عليهم ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
