الأديان ، فالإنسان المحمدي ، ونعني الإنسان الذي ظهر في شخصية محمد ، هو النجم النوراني الذاتي الذي هوى من فلك المطلق إلى فلك التعين والتمظهر ، وهذا فحوى سورة النجم التي هي لب القرآن ، وهي المفتاح الذي إن وجده الإنسان وجد ضالته ، وعثر على الكنز الدفين تحت جدار الأنا ، فصار من ثم من المحققين العارفين ، أو كما تقول الصوفية من المحققين.
لقد اعتكف النبي في الغار ، يشده حنين عظيم إلى المطلق الذي تعين فيه ، ولم يكن يعرف سبب هذا الحنين ، إلا أنه كان يتفكر في خلق السموات والأرض ، وفي نفسه ، إلى أن أسفرت له الذات من ذاته ، فظهر جبريل وقال له إقرأ ، ولقد كان النبي أميا ، وظل أميا بعد أن صار نبيا وأنزل عليه القرآن وأوتي جوامع الكلم ، فكلمة إقرأ تفيد معنى انتشار العلم المكنون في صفحة النفس الكلية في باطن النبي ، والتي ظهر النور جبريل ليدله عليها ، وليعلمه قراءتها.
قال سبحانه : (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)) [الرحمن : ١ ، ٤].
فالتعليم إذن ذاتي صادر عن الباطن إلى الظاهر ، وهذا التعليم إلهي خاص بالأنبياء ، والأولياء وهو نقل النبي من مرتبة الإنسان العادي إلى مرتبة الإنسان الكامل الذي أوتي علما بكل شيء ، وتجلت له الحقائق المنقوشة في لوحة نفسه فبدأ يتعرفها ويعرف علومها.
وقيل إن جبريل لما ظهر للنبي مرة ثانية سد الأفق ، وقيل في وصفه إن له أجنحة كثيرة ، والمعنى أن الأفق الذاتي هذا هو أفق وجودي كلي يعلم كل شيء ، وترتسم المعلومات منقوشة فيه عالية فوق الزمان والمكان ، طاوية للزمان بخاصة وسابقة عليه ، فيكون لهذا الضرب من العلم علما بالماضي والحاضر والمستقبل ، وقد تحدثنا عن علم النبي بالماضي وتحقيقه الأنباء التي وصلت منه ، كما أنه فصل للحاضر ثيابا من سندس وإستبرق ، فكسا المباني كسوة المعاني ، فأزهرت الأفنان ، ثم انعقدت الثمار ، وآتت أكلها طيبا شريعة شاملة جامعة صالحة لكل زمان ومكان ، تعد صراطا مستقيما ومصباحا منيرا للإنسان السائر على طريق الحياة ، أما المستقبل فلقد تنبأ النبي بأشياء صغيرة وكبيرة تحدثنا عنها من قبل ، وكيف أن الزمن أثبت صحة هذه النبوآت وصدقها فعلا.
لقد كملت الدائرة إذا والتقى طرفاها ، طرف الظاهر وطرف الباطن ، واستوى محمد على عرش الوجود ، له الإمارة في الأرض والسلطان ، قد أوتي علمي الدنيا والآخرة ، وبلغ المقصد الأسنى والفلك الأزهر ، فحقق المستخلف على عرش الوجود والمسمى أسماء الله العليم الحكيم الخبير العزيز ، فظاهر النور المحمدي محمد ، والنور نفسه الأفق الوجودي
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
