٧٨ ـ (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨))
[المؤمنون : ٧٨]
الإنشاء من النفس النباتية ، ولهذا وصفت العملية بالإنشاء أي خروج القوة من النشأة ، ويقال نشأة حيوانية ونشأة إنسانية ، وعليه فكل قوى الإنسان والحيوان والنبات تعمل بالله ، ولو لا الله ما عملت ، ولهذا قيل إن فعل البصر يتم لا بنور يصدر من العين فيقع على الشيء المبصر ، ولا بضوء يصدر من الشيء المبصر فتراه العين ، ولكن بفعل نور العقل الفعال نفسه الذي يمد النفس والحواس بقوى السمع والإبصار ، ودليل ذلك أن فعل الإبصار يتم في الدماغ.
٧٩ ، ٨٣ ـ (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣))
[المؤمنون : ٧٩ ، ٨٣]
الذرء الخلق ، والذرء في الأرض نفخ الروح الحيواني في الجسم بعد تخلقه وتسويته في الرحم ، وما دام الروح الحيواني روحا فهو من روح الله ، فما في الوجود سوى هذه اللطائف الإلهية الظاهرة في الهيكل روحا وقلبا ونفسا وحقيقتها كلها واحدة.
٨٤ ، ٨٥ ـ (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥))
[المؤمنون : ٨٤ ، ٨٥]
يذكر الله بالبدن الذي هو من صنع الله ، وبأنه يعمل بالله ، ولهذا قيل إن النفس تفعل في البدن بواسطة الروح ، وإن الروح يفعل في البدن بواسطة النفس ، فما في هذا الوجود إلا هذه الوسائط لتحقيق الفعل الإلهي الذي هو النور.
٨٦ ، ٨٧ ـ (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧))
[المؤمنون : ٨٦ ، ٨٧]
العرش الوجود العياني المادي المتكون بعد انفجار السديم الذري القديم ، والعرش خروج الدائرة العلمية الإلهية من كونها مرتقة لتتفتق علومها في دائرة الوجود العياني ، فما في الوجود سوى انتشار الأنوار الإلهية في سموات المعاني وأرض الأبدان المباني.
ولقد ربط بين الرب والعرش فجاء في الآية (وَرَبُّ الْعَرْشِ ،) وللربط لطيفة هي عودة إلى الربوبية التي تطلب التعلقات العيانية ، فالعرش في قبضة الرب ، والرب فيه فاعل ، فالرب في الوجود فاعل عن طريق تأثير أنواره في المربوبين ، وليس في الوجود إلا هؤلاء المربوبون ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
