المربوبون للواحد القهار ، ولهذا وصف الوجود بالعرش ، والعرش كرسي ، والملك على عرشه جالس ، والجلوس استواء ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : ٥٤] ، والتوحيد يشمل التنزيه ويشمل التشبيه ، ثم ينتهي إلى التوحيد الصرف فلا تنزيه ولا تشبيه بل هو واحد أحد فعال لما يريد ، ما تحرك متحرك إلا بأمره ، بل ليس المتحرك سوى هو وقد أخذ نوره في الانتشار في الأبعاد من قبل أن تكون الأبعاد ، ثم كونه هو هذه الأبعاد.
٨٨ ، ٩٠ ـ (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠))
[المؤمنون : ٨٨ ، ٩٠]
قوله سبحانه : (وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ) يعني قيام الممكن بالواجب الوجود قياما وجوديا نورانيا أصليا لا بديل له ، وكل بديل يأخذ طابع المصادفة أو الفوضى أو اللامعقول ، وليس ثمت بديل ثالث ، فإما الإيمان بالله كمبدأ وهوية وجوهر وأول لكل شيء أو السقوط في هوة العدم.
والمشكلة منطقيا تنتهي إلى الإقرار بوجود الجوهر الفرد الأول الجامع لجميع الجواهر والأعراض ، وهذا الموقف الذي اتخذته الفلاسفة والحكماء القدامى عند ما أمعنوا الفكر في هذا العالم ظاهره وباطنه.
أما المحدثون فكثير منهم لم يؤمنوا بهذا الواحد ، ولهذا قال كانط إن العقل قادر على إثبات وجود الله وقادر على نفيه أيضا ، وحذر كانط من اتخاذ العقل مبدأ للنظر في الغيبيات ، وقال إن الطريق الأخلاقي وحده يقود إلى معرفة الشيء في ذاته ، وهذا ما نادت به الآية التي أطلقت شعار يجير ولا يجار عليه فلسفيا وأخلاقيا.
والحقيقة أن لا فصل بين الفكر والأخلاق إن أراد الإنسان الوصول إلى الله ، ولهذا قال إبن عربي : العلم وسوء الخلق لا يجتمعان في موقف ، فكل عالم هو واسع المغفرة والرحمة.
٩١ ، ٩٥ ـ (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥))
[المؤمنون : ٩١ ، ٩٥]
كل الإمكانات قائمة بالله ، ولهذا لا يمكن أن يقوم ممكن مكان الله الذي هو أصل له ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
