ففي محيط الدائرة الخلاف كائن ، ولا فكاك من هذا الخلاف ، وإنما النجاة لمن أراد له الله النجاة فأدخله في رحمته ، فالسبيل إلى النجاة الولوج في سم الخياط ، ومتى ولج الإنسان تحرر من نير القيل والقال اللذين قال فيها جلال الدين الرومي : ما دمت مشغولا بالقيل والقال فمتى تدرك نفحة من حديث المنام؟
١٠ ـ (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠))
[الشورى : ١٠]
للآية بطن هو التوحيد. ففي الوسع القول إن الناس ما اختلفوا في شيء إلا كان حكمه لله ، وهذا بدهي ما دام الله أصل التضاد. فإن ذهب الإنسان يمينا ، وإن ذهب شمالا وإن كانت له عقيدة ، وإن درب أي درب ، فالإتجاهات كلها لله ، والمعتقدات لله ما دام هو الذي شاء ذلك ، وكل الدروب تفضي إلى مكة باعتبار مكة الحرم الجامع.
١١ ـ (فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١))
[الشورى : ١١]
الآية تتحدث عن الإنسان الكامل ككل وجودي له ظاهر ، وباطن ، وما نهجنا في تفسير كتاب الله إلا على أساس من هذه الرؤيا الجامعة التي يحتل الإنسان فيها مكانة الخليفة ، ويكون قلبه عرش الله.
فالإنسان كممثل للنوع زوجان كما قال سبحانه خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ، فالإنسان ممثل هذه الازدواجية ما دام يتصف بالحوار النفسي والتناقضات ، والإنسان الزوجان مجعول في جسم حيواني أشير إليه في الآية بالأنعام ، إذ قال سبحانه يذرؤكم فيه ، وعلى هذا فالإنسان كيان ذور شطرين ، شطر إلهي مثلته الذات الشريفة الناطقة التي وجدت لها في التضاد مجالات وآفاقا ، وشطر حيواني يشارك فيه الحيوان في نفسه الحيوانية وما لها من قوى وحواس وغرائز ونشاطات وميول لتحقيق الأهداف.
والخليفة هو الإنسان والعرش الذي استوى الله عليه بالتدبير والتوجيه سبحانه ما خلق ابن آدم إلا ليظهر به له ، ولولاه لما كنا ، ولولانا لما كان كما قال سلطان العارفين.
١٢ ، ١٤ ـ (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
