إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤))
[الشورى : ١٢ ، ١٤]
العلم علم الأسماء ، ولكل اسم علم ، فعلم ظاهر وعلم باطن ، وثمت ضروب للعلوم لا تحصى ، فكلها ورثة الأسماء ، إذ لو لا ما في بطنان الأسماء من علوم ما تعلم الإنسان ، ولا تميز عن الحيوان ، فكل ما يشاهد في العالم المحسوس إنما وجد خصيصا ليجعل ما هو موجود بالقوة لدى الإنسان موجودا بالفعل ، وقوله : (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) يعني انقضاء عدة الأسماء ذات الأجل ، وذلك بانكشاف الأسماء عن حقائقها من العلوم ذاتها ، فإذا العلم فيها جامع ، أصله واحد هو الحق سبحانه ، فإذا رأى القلب هذا ، وما كذب الفؤاد ما رأى ، استغنى عن العلم والتعليم ، إذ يكون قد اتصل بالعليم العلام الذي يعلمه ما لم يكن يعلم.
١٥ ، ١٦ ـ (فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦))
[الشورى : ١٥ ، ١٦]
قوله (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) يعني أيضا العودة إلى علوم الأسماء التي اقتضت التمييز والتفريق والتضاد وجمع التضاد ، ومعرفة هذا السر أساس للعدل النبوي بين الناس ، ولهذا كان الإسلام أول فاتح رحيم في التاريخ وأول فاتح عادل ، وأول فاتح يؤتي كل ذي حق حقه ولا يطغى ، وما عرف التاريخ فاتحا له هذه الصفات والمزايا إلا الإسلام ، ذلك لأن المبادئ الكلية التي اعتمدها الإسلام في الفتوحات هي مورثات العلم الإلهي الذي بني الوجود كله على أساس من العدل ، قال سبحانه : (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ).
١٧ ، ١٨ ـ (اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨))
[الشورى : ١٧ ، ١٨]
للحقيقة والتاريخ أقول إني حين استشهدت بالآية التي ختمت بها تفسير الآية السابقة ما كنت أعلم الآية التي تليها ، وحين علمت وقرأتها اقشعر جلدي خشية من الله وتأثرا ، وعلمت علم اليقين أن الملهم واحد ، وهو مسدد خطى عبده لما يشاء ويرضى ، وللحقيقة أقول أيضا إن هذا الحدث كثيرا ما تكرر في فصول هذا الكتاب ، فلكم قلت شيئا قاله الحق في كتابه من بعد ما قلته ، سبحانه هو العليم الحكيم.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
