وجوهرها لله وبالله ، فالتحق الجسمي بالروحي ، والجزئي بالكلي ، وشهد على الإنسان سمعه بصره وجلده ، والحقيقة أن الشهادة قائمة ومستمرة ، إذ الأمر صادر من الروح إلى القلب البشري ، ثم هو عائد إلى الروح ، والحواس الأسلاك العصبية والأوتار العضلية والإشارات الكهربائية الصادرة عن الدماغ إلى الأعضاء والمراكز العصبية الموجودة في الدماغ ، فالدورة روحية تتم بواسطة الجسد فأنى تؤفكون؟
٢٢ ، ٢٤ ـ (وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤))
[فصلت : ٢٢ ، ٢٤]
كيف يستتر الإنسان من شيء هو جوهره وحقيقته؟ والإنسان يستخدم حواسه جاهلا جوهرها وسرها ، ولكنه لو علم حقيقتها لتاب وخر ساجدا وأناب ، يكفي الإنسان أن يسأل الأعمى والكسيح والعنين عن حالهم ليسمع منهم أنهم يريدون ولكنهم عاجزون ، فالحواس عطية إلهية ، ولكن الإنسان ظلوم جهول لا يعلم دور هذه الأدوات الإلهية المسخرة له بإذن ربه.
٢٥ ، ٢٨ ـ (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨))
[فصلت : ٢٥ ، ٢٨]
قال صلىاللهعليهوسلم : «لكل إنسان قرينه من الجن» ، والحقيقة أن الازدواجية الموجودة في النفس هي نتيجة وجود الإنسان وقرينه ، ولو لا القرين ما نشأ الحوار النفسي الذي يعرفه كل إنسان ويعيشه ، ففي سورة الجن جاء على لسان جني (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) وجاء أيضا : (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ،) فالقرين ، قد يكون صالحا مسلما وقد يكون قاسطا هو من أصحاب النار ، والآية تقول إن الله قيض لأهل النار قرناء سوء زينوا لهم ما بين أيديهم ، فلأصحاب النار إذا قرناء سوء يزينون ، والنتيجة أن للكافر قرينه النفسي الذي يزين له الكفر ، فالحصار محكم ، فلأصحاب الجنة قرناء صالحون ، ولأصحاب النار قرناء طالحون ، والقصد قوله تعالى : (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) بالعذاب لأهل النار وبالسعادة لأهل الجنة.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
