يفعل ما يشاء ، فالله ضمن المعقول صفة الإرادة التي تشعر بالحرية والتي دارت حولها المناقشات ولم تنته إلى يومنا هذا فهل الإنسان حر أم لا؟ وبتعبير ديني هل هو مسير أم مخير؟
والمعقول لو لا شعوره بالحرية ما مارس دوره ، فلو كشف عن الإنسان غطاؤه ، فعرف أين الله ، وما موقعه منه ، وكيف يكون فاعلا فيه لما تحرك للإنسان ونشط للعمل ، ولقد تحدثنا عن تردد الإنسان بين شطري التضاد حتى يختار ويتخذ القرار ، فلو لا التردد والاختيار ما اختار العاقل معقوله ، ولظلت المعقولات مرتقة معطلة القوى.
فالحرية موجودة ، ولكنها تعمل وفق إذن وتيسير وتسديد إلهي ، وهذا ما يستنتج من دراسة أحاديث رسول الله ، ثم أقوال الصوفية كبار العارفين.
والآية تبين أن المعقولات سواء أكانت تعمل بحرية أو بجبرية فإنها تأتي الله طائعة ، والإشارة إلى أن لب المسألة برمتها الطاعة ، وهذا أمر بدهي ما دام الله رب المعقولات ورب السموات والأرض.
١٢ ـ (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢))
[فصلت : ١٢]
كنا قد تحدثنا عن السموات السبع وطبيعتها ، والأمر متعلق بالآية السابقة القائلة إن الله استوى إلى السماء وهي دخان ، فالسماء كانت واحدة إذا ثم قضاهن سبحانه سبع سموات ، ولما قلنا إن السماء محل المعقولات فالسموات السبع تكون محل فتق المعقولات نفسها والمكان الذي تمارس عملها فيه.
فإذا عدنا إلى الفكر والتفكير آخذين بعين الاعتبار نظرة العارفين والعلماء والفلاسفة إلى الآلية الفكرية وكيف قالوا إن الفكر هو مجموعة قوى كالخيال والذاكرة والحدس والوهم ، خرجنا بنتيجة أن السموات السبع التي قضاها الله هي قوى الفكر ذاته إشارة ورمزا.
وقوله سبحانه : (فِي يَوْمَيْنِ) له لطيفة ، ذلك أن الفكر لدى الصوفية منفي ومحارب إلى أن يضع سلاحه ويستسلم ، أي أن يسلم بأن الأمر من الله وإليه ، فالفكر كما تراه الصوفية ذو شقيق شق إلهي وشق بشري ، أي أنه يمثل الدائرة الضامة للمحدود واللامحدود ، المتناهي واللامتناهي ، أي المطلق والمقيد كما تقول الفلاسفة ، فاليومان إذن مقسومان بين الله وخلقه ، فيوم له وهو اليوم القديم الأزلي الخارج على الزمان والمكان الذي كنا قد تحدثنا عنه ، ويوم للبشر وهو اليوم الزماني الصيروري المتحول المتعلق بالزماكان.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
