شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر : ٩] ، وهو مسيء إلى ربه لأنه لو لا الله ما كان للوجود كله أن يوجد ولا للنفس أن توجد ، فكيف ينكر من له هذا الفضل العظيم؟
والله ذو الحول والقوة ، والذي لا تسقط شعرة عن رأس مخلوق إلا بإذنه ، ولا تسقط ورقة من غصن إلا ويعلمها ، ولا تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ، ويعلم ما في الأرحام ، يحب هذا الإله العظيم أن يدعوه عباده ، والدعاء داخل في باب القضاء المبرم الذي سبق أن تحدثنا عنه موردين تقسيم عبد الكريم الجيلي للقضاء قسمين المحكم والمبرم ، فأما المحكم فلا راد له ولا تبديل ولهذا كان محكما ، والمبرم قابل للنقض والتبديل والمراجعة ، وهو ما تحدث عنه سبحانه في كثير من الآيات قائلا : حتى نعلم ، ولنعلم ، وعلم الله ، والآن علم الله ، فهؤلاء الذين يظنون أن ما سبق به العلم الإلهي لا تبديل له يجهلون كيف يكون الله مستمعا بصيرا مجيبا ، يطرح الإمكانات والصفات ، ثم يرى قدرة الإنسان على حمل الأمانة ، فإن لم يطق خفف عنه وحول الصفة إلى أخرى ، وأنقص الشرط والطلب ، كما فعل مع النبي حين حط عن أمته الصلاة من خمسين صلاة إلى خمس صلوات ، والإنسان يجهل أين تكون حدود القضاء المحكم وحدود المبرم ، ولهذا طلب الله إلى عباده أن يدعوه وهو سميع مجيب ، فإن كان الدعاء قابلا للاستجابة ، أي أن يكون داخلا في مجال القضاء المبرم ، استجاب الله للداعي ، وإذا كان الدعاء غير قابل للاستجابة ، داخلا في مجال القضاء المحكم ، كان للداعي ثواب الدعاء وهو الراحة مما هو فيه من عناء ونصب وحزن ويأس ، وذلك بتوجهه إلى ربه واطمئنانه إليه وتوكله عليه وثقته بأن ما يقضيه الله ويقدر هو الخير ، وإن بدا ظاهرا شرا.
٦١ ـ (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١))
[غافر : ٦١]
الليل الغيب والروح ، والنهار العيان ، والإنسان بينهما ، وقلنا قبل إنه من دون عالم العيان لا يظهر الروح ولا يفعل ولا تظهر صفاته ولهذا قال سبحانه إن الليل جعل ليسكن الإنسان فيه أي يهدأ ويستريح ، فلا مجال لنشاط الروح إلا في النهار العيان ، ولهذا قال أرسطو إن الصورة لا تنفك عن المادة ، وإنه لا صورة بلا مادة وهما متلاصقتان.
والله سبحانه أضاف النهار إلى الليل ، فبانطلاق الإنسان شعاعا من الروح الكلي يبدأ نشاطه في مسرح العيان ، وجاء في الآية إن الله هو الذي جعل النهار مبصرا ، وجعل الإنسان في النهار مبصرا أيضا ، وعلى هذا فالإنسان ساكن ، أخرس ، أعمى ، أو كما قال البسطامي ميت ، ما لم يحركه الحق ، ولقد تحدثنا عن دور الحواس وعن محركها ، وقلنا إن العلم لم
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
