وفي مستوى المشاعر يستوي زيد وعمرو ، ولقد قلنا ما قالته العرب إن لذة الثوب يوم ، فالحقيقة أن زينة الغنى لا يراها إلا الفقير ، كما أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى ، والعادة غلبت السعادة ، وسرقت مباهجها ، وصوحت أزهارها ، وجعلتها هي والأشواك سواء ، فالإنسان واحد في مشاعره سواء أكان غنيا أو فقيرا ، كبيرا أو صغيرا ، وما الناس إلا ممثلون يؤدون الأدوار التي كتبتها الأقدار ، والإنسان حين بدأ رحلته من الغار والغابة ، وسكن الدور والقصور ، وركب السيارة والطيارة ، هذا الإنسان ظل هو هو ما تغير منه شيء ، وها نحن نرى إنسان القرن العشرين تعسا محزونا وصفت الفلسفة الوجودية عالمه بأنه السأم والغثيان.
وقال سبحانه مخاطبا نبيه : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) (١٣١) [طه : ١٣١]. فالغني سجين غناه ، وما هو بقادر على الخروج من سجنه ، وهو أسير هذا العالم الذهبي الذي هو على الحقيقة قفص من ذهب ، ولقد عرفت الصوفية هذه الحقيقة ففروا من الغنى وعبوديته وأذاه ، وقال صلىاللهعليهوسلم : (اللهم اجعل رزق أمتي كفافا) ، وقال : (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين).
٥٣ ، ٦١ ـ (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١))
[الزمر : ٥٣ ، ٦١]
المذنبون النادمون التائبون يسرفون على أنفسهم أحيانا خيفة العاقبة ويوم الحساب يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ، وتذكر الآية هؤلاء بأن الله غفور رحيم. وقال صلىاللهعليهوسلم : (كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة) ، فتساءل أبو ذر : حتى وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال : (حتى وإن زنى وإن سرق) ، وكررها النبي صلىاللهعليهوسلم ثلاثا ، وقال أيضا : (لئن لم تخطئوا وتستغفروا لجاء الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر الله لهم). وقال : (كل ابن آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون).
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
