١١ ـ (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١))
[المؤمنون : ١١]
الفردوس منزل من منازل الجنات ، ولهذا جاء في موضع آخر قوله سبحانه : (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) [الكهف : ١٠٧] ، والنزل ما ينزل فيه الإنسان ، فالفردوس مقام القرب الذي يلتقي الإنسان فيه ربه ويكلمه ربه ، ويكلم ربه جهارا وعلنا كما قال عليهالسلام : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحا ليس بينه وبينه ترجمان).
١٢ ـ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢))
[المؤمنون : ١٢]
أصل الإنسان الطين ، ولهذا سمينا نفسه المادية والنفس الترابية والنفس الطينية ، والمهم القول إن هذه النفس لا فكاك لها من العالم ، وقد سويت ونفخت في الجسد من بعد تكوينه لتكون مستودعا له ، وليكون هيكلا لها ، فتكون باطنه ، ويكون ظاهرها ، ويكون من كليهما الإنسان أنشد ابن عربي قائلا :
|
وما الفخر إلا بالجسوم لأنها |
|
مولدة الأرواح ناهيك من فخر |
١٣ ـ (ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣))
[المؤمنون : ١٣]
القرار الرحم ، وقال ابن عربي : الرحم الطبيعة ، فالإنسان إبن الطبيعة ، لولاها ما كان ، ومن دونها لن يكون ، ولهذا ورد ما ورد في الجنة من وصف حي كأكل الطير وشرب اللبن والخمر والعسل ، إلا أن الجنة تتميز بأنها دار السّلام والطمأنينة ورؤية الله جهارا.
١٤ ـ (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤))
[المؤمنون : ١٤]
تكوين الإنسان ضربان ، ضرب للتسوية المادية ، وهي عملية وصفت في الآية بالخلق ، لأنه من دون فعل اسمه الخالق ما كان لبشر ولا لحيوان ونبات وجماد أن يكون ، فالعملية دينامكية والمحرك فيها النور الفعال ، وصورة هذا النور النفس التي سميت النفس الحيوانية لصلتها بالحياة وصلة الحياة بها ، ولهذا قيل ليس الجسم مستودع النفس بل النفس مستودع الجسم ، إذ النفس الحيوانية شعاع نوراني تنفعل من النور الفاعل ، وتفعل في الجسد بتوسط ، فقواها قوته ، وتدبيرها تدبيره.
والخلق الآخر نفخ الروح في الجسد ، وهو إيداع الجسد حظه من الشعاع النوراني سمي النفس الناطقة ، وسمي اللطيفة الإلهية ، ففضل الإنسان على بقية المخلوقات بهذا الخلق الاخر الذي هو التكريم والذي هو النطق والفهم والوعي والإدراك ، فبلغ الإنسان بهذا التكريم منزلة رفعته فوق الملائكة.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
